من جهة أخرى ، كان لابدّ من التفصيل أكثر في بيان حقيقة وموقف علماء السنّة من الصفات الخبريّة ، وقد تبيّن لنا من الفقرة السابقة عدم موافقة هؤلاء على ما ذهب إليه ابن تيميّة ، واعتبروا هذه الصفات من المتشابهات .
وهناك أيضاً مواقف أخرى لعلماء السنّة في مقابل ابن تيميّة حيث انقسم هؤلاء إلى فريقين :
الفريق الأوّل : هم الذين قالوا بإرجاع الصفات إلى المحكمات ، وهذا مذهب جمهور المسلمين من المتكلّمين والفلاسفة والأشاعرة والمعتزلة - وهذا ما أشرنا إليه فيما تقدّم - .
الفريق الثاني : هم الذين قالوا بأنّ هذه الألفاظ أو الصفات لا يُراد بها ظاهرها ، أو قالوا : لا نعلم ما هو المراد منها ، ولذا ذهب بعضهم إلى التأويل .
أمّا الأدلّة والشواهد على وجود من قال بهذا القول - أي الفريق الثاني - فنذكر بعض الموارد ، ومنها :
المورد الأوّل : ما ورد في ( المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم )
للإمام القرطبي ( ت 656 ه - ) ، حيث قال : ( وقوله : « إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم » يعني : يتّبعونه ويجمعونه طَلَباً للتشكيك في القرآن ، وإضلالًا للعوامّ ، كما فعلته الزنادقة ، والقرامطة الطاعنون في القرآن ، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسّمة ؛ الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنّة ممّا يُوهِم ظاهِره الجسميّة ، حتّى اعتقدوا أنّ الباري تعالى جسمٌ مُجسَّم ، وصورةٌ مصوَّرة ذات وجه ، وعين ، ويدٍ ، وجنبٍ ، ورجلٍ ، وإصبع ، تعالى الله عن ذلك ، فحذَّر النبيّ ( ص ) عن سُلوك طريقهم . . . .
فأمّا من يتّبع المتشابه ، لا على تلك الجهتين ، فإن كان ذلك على إبداء
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه — صفحة 306
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٦