( ومن المعلوم أنّ قول نفاة الرؤية « أي البصريّة » والصفات « أي العينيّة » والعلوّ على العرش ، والقائلين بأنّ الله لم يتكلّم . . . ونفيهم ذلك لأنّ إثبات ذلك تجسيم ، هو إلى مخالفة الكتاب والسنّة والإجماع السلفي والآثار أقربُ من قول مَنْ أثبت ذلك وقال - مع ذلك - ألفاظ يقول : إنّها توافق معنى الكتاب والسنّة ، لا سيّما والنفاة متّفقون على أنّ ظواهر النصوص تجسيم عندهم ، وليس عندهم بالنفي نصّ ، فهم - أي النافون - معترفون بأنّ قولهم هو البدعة وقول منازعيهم أقربُ إلى السنّة ) « 1 » .
وإلى هنا تبيّن للقارئ الكريم بشكلٍ تفصيلي أنّ ابن تيميّة يعتقد بأنّ الله سبحانه جسم ، وصفاته أعراض جسميّة ، وإذا قال قائل بأنّ نفي الجسميّة بدعة وكذلك إثبات الجسميّة بدعة ، فالجواب عنده أنّ بدعة القول بالجسميّة بدعة أخفّ من بدعة القول بنفي الجسميّة ، بل هي بدعة حسنة .
ثمّ ينتقل ابن تيميّة إلى خطواته الأخيرة في تأكيده على التجسيم ، وإنا وإن كنّا قد نقلنا سابقاً تصريحات وأقوالًا صادرة عنه تشير إلى ذلك ، ولكنّنا هنا نودّ أن نبيّن استدلاله على هذه العقيدة من خلال تقسيمه للموجود الأعمّ من كونه واجب الوجود أو ممكن الوجود ، أو كونه خالقاً أو مخلوقاً ، أو فقيراً أو غنيّاً ، فهذا الموجود إمّا هو جسم أو قائم بالجسم ، والله تعالى لا يمكن أن يكون قائماً بجسم لأنّه يكون محتاج إلى محلّه ، فيثبت أنّه جسم .
يقول في ( بيان تلبيس الجهميّة ) : ( ويقولون : « بل قامت القواطع العقليّة على نقيض هذا المطلوب ، وأنّ الموجود القائم بنفسه لا يكون إلّا جسماً ، وما لا يكون جسماً لا يكون إلّا معدوماً » ، ومن المعلوم أنّ هذا أقرب إلى الفطرة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 249 .