( وقال لكم : « فليكن هذا لازماً للرؤية ، وليكن هو جسماً » ، أو قال لكم : « أنا أقول إنّه جسمٌ . . . » لم يكن لكم أن تقولوا له : « أنت مبتدع في إثبات الجسميّة » ، فإنّه يقول لكم : « وأنتم مبتدعون في نفيه » ، فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته ، إن لم تكن أعظم ، بل النافي أحقّ بالبدعة من المثبت ، لأنّ المثبت أثبت ما أثبتته النصوص ، وذكر هذا معاضدة للنصوص ، وتأييداً لها ، وموافقة لها . . . فإن قُدّر أنّه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخفّ من بدعة من نفى ذلك نفياً عارَضَ به النصوص . . . قال الشافعي : البدعة بدعتان : بدعة خالفت كتاباً أو سنّةً أو إجماعاً أو أثراً عن بعض أصحاب رسول الله ( ص ) فهذه بدعة ضلالة ، وبدعة لم تخالف شيئاً من ذلك فهذه قد تكون حسنة ، لقولة عمر : « نعمت البدعة هذه » ، هذا الكلام ونحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل ) « 1 » .
فإذا كان الأمر كذلك فإنّنا نقول لابن تيميّة بأنّ الكثير من الأعمال التي يقوم بها المسلمون تعتبرها بدعة ، مع أنّها لا تخالف كتاباً ولا سنّة ، من قبيل زيارة القبور ، والبكاء على الحسين ( ع ) ، وغيرها من الشعائر .
فمع اعتقادنا الجازم بأنّها ليست بدعة ، ولكن وفقاً لقول ابن تيميّة لابدّ أن نلزمه بما ألزم به نفسه من أنّ البدعة بدعتان ، ولعلّ هذه الأمور من البدعة الحسنة .
لا ندري من أين لابن تيميّة مثل هذه القاعدة ، ومن أين جاء بها ؟ فرغم تأكيده أنّ النصوص لا تثبت ولا تنفي ، نراه يصرّ على اعتبار نفاة الجسميّة عن الله سبحانه وتعالى أهل بدعة وضلالة ، حيث يزعم في نفس المصدر بأنّ نفاة الجسميّة ابتلوا ببدعة الضلالة ، فيقول :
هامش
( 1 ) درء تعارض العقل والنقل : ج 1 ص 248 - 249 .