تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج المفسرين — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وتلمح من ذلك ما كان لأبي السعود من شخصية اجتماعية ممتازة ، وما كان يتحلى به من إيمان قوى وروح طيبة واستمساك صادق بعرى الدين . ومن ملامح العبقرية عند أبي السعود اشارته الواضحة إلى ما في أسرار الخلق والايجاد من آيات بينات ، ثم قوله : لكن الاستدلال بتلك الآيات والدلائل ، والاستشهاد بتلك الامارات والمخايل ، والتنبيه لتلك الإشارات السرية والتفطن لمعاني تلك العبارات العبقرية وما في تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر ، وكنوز آثار التعاجيب والعبر ، مما لا يطيق به البشر ، إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر ، اذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد ، إذ هو المظهر لتفاصيل الشعائر الدينية ، والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية ، والكاشف عن خفايا حظائر القدس ، والمطلع على خبابا سرائر الانس ، وبه تكتسب الملكات الفاخرة وبه يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة . ثم يبين أنه قرأ عن القرآن الكتب الكثيرة ، فاغرم بتفسيرى الكشاف وأنوار التنزيل فقام بخلده نظم درر فرائدهما وترتيب غرر فوائدهما وأن يضيف إليهما ما في غيرهما من جواهر الحقائق وزواهر الدقائق فكان هذا الكتاب . ولم يقتصر نشاط أبو السعود على تأليف هذا الكتاب بل ألف غيره من الكتب على ضيق وقته ، واتساع نشاطه ، ومما نقل في ذلك أنه ألف تحفة الطلاب في المناظرة ورسالة في المسح على الخفين ، ورسالة في مسائل الوقوف ، ورسالة في الأوقاف ، وقصة هاروت وماروت . وكان له إلى جانب أسلوبه البارع في النثر شعر جميل مطبوع ، ومما اشتهر عنه من ذلك قصيدته الميمية التي أولها :
أبعد سليمى مطلب ومرام * وغير هواها لوعة وغرام وهيهات أن تثنى إلى غير بابها * عنان المطايا أو يشد حزام
ثم يقول :
فكم عشرة ما أورثت غيرا * ورب كلام مقتضاه كلام