تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج المفسرين — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
البلاد ، وأخرى في قضاء العساكر والأجناد ، فحال بيني وبين ما كنت أخال ، تراكم المهمات وتزاحم الاشغال ، وجموح العوارض والعلائق ، وهجوم الصوارف والعوائق والتردد إلى المغازي والأسفار ، والتنقل من دار إلى دار . . وكنت في تضاعيف هاتيك الأمور ، أقدر في نفسي أن انتهز نهزه من الدهور ، ويتسنى لي القرار ، وتطمئن بي الدار ، وأظفر حينئذ بوقت خال ، أتبتل فيه جانب ذي العظمة والجلال ، وأوجه إليه وجهتي ، وأسلم له سرى وعلانيتي ، وأنظر إلى كل شيء بعين الشهود ، وأتعرف سر الحق في كل موجود ، تلافيا لما قد فات ، واستعداد لما هو آت ، وأتصدى لتحصيل ما عزمت إليه ، وأتولى لتكميل ما توجهت إليه ، برفاهة واطمئنان ، وحضور قلب وفراغ جنان ، فبينما أنا في هذا الخيال ، إذ بدا لي ما لم يخطر بالبال تحولت الأحوال والدهر فوقعت في أمر أشق من الأول : أمرت بحل مشكلات الأنام ، فيما شجر بينهم من النزاع والخصام ، فلقيت معضلة طويلة الذيول ، وصرت كالهارب من المطر إلى السول . . فاضحيت في ضيق المجال وسعة الاشغال أشهر ممن يضرب بها الأمثال ، فجعلت أتمثل بقول من قال :
لقد كنت أشكو والحوادث برهة * واستمرض الأيام وهي صحائح إلى أن تغشتنى وقيت حوادث * تحقق أن السالفات منائح
فلما انصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال عزمت على انشاء ما كنت أنويه ، توجهت إلى املاء ما ظلت أبتغيه ناويا أن اسميه عند تمامه بتوفيق اللّه وأنعامه : ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ) فشرعت فيه مع تفاقم المكاره على ، وتزاحم المشادة بين يدي ، متضرعا إلى رب العظمة والجبروت خلاق عالم الملك والملكوت ، في أن يعصمني عن الزيغ والزلل ، ويقيني مصارع السوء في القول والعمل ويوفقني لتحصيل ما أروي وأرجوه ويهديني إلى تكميله على أحسن الوجوه . .
مناهج المفسرين — صفحة 255 | منيع عبد الحليم محمود