تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفصل في تاريخ النجف الأشرف — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
يعطونه ما يحتاجه إلى حين تسلم راتبه الشهري ، ولولا هذه الخدمة من النجفيين لاستحال على الكثير طلب العلم « 1 » . وكان بعض الخبازين يقدمون أعوادا من خشب الصفصاف عليها علامات بالمواد يؤشر عليها الخباز كلما أعطى لطالب العلم خبزا حتى نهاية الشهر ، وجعلت الحياة المعيشية القاسية للكثير من رجال العلم طريقا للوصول إلى الاجتهاد والأعلمية ، أو الحصول على قدر محدود من الفقه والأصول وغيرها من المعارف ، وقد يقتنع طالب العلم في النجف براتبه البسيط وسكناه المتواضع في احدى غرف المدارس الدينية ، وقد يبقى على هذه الحالة حتى وفاته أو أنه يتزهد في حياته ويتقشف في معاشه ، وقد عرف المجتمع النجفي أعلاما في الزهد والقناعة حتى أصبحوا مضرب المثل في التقوى والعبادة ، ويحكى أن أحد الطلبة الإيرانيين الساكنين في مدرسة الإمام كاشف الغطاء يقطع ستة أيام زاهدا متقشفا لا يأكل إلا الفتات من الخبز الجاف مع الملح أو الخل أو الفجل ، ولا ينام إلا في العراء متوسدا يده وملتحفا الفضاء ، حتى أنه يرى وهو صائم عن الكلام والابتسامة ، فإذا أطل عليه فجر اليوم السابع من الأسبوع جلس وكأنه يستقبل العيد متجملا بلباسه وبشاشته ، يعد الطعام من اللحوم والخضر والفواكه ما لا يقوى على أكله رهط من الناس فيطهيه بنفسه ويأكله دفعة واحدة ، وفي اليوم التالي يعود إلى سيرته « 2 » . وتبدو هذه الحالة غريبة في بابها ، ناتجة من قناعة نفسية حول هذه السلوكية ، ولكن هناك رجالا سلكوا طريق الزهد والتقشف عن قناعة بحيث أصبحت هذه الحالة جزءا من حياتهم العامة ، ونجد في قبال هؤلاء من يسرف في مأكله وملبسه ومسكنه ، وقد يصل به التنعم إلى أكثر مما يصل إليه التاجر والموسر ، وقد يتحدث المجتمع النجفي عن مثل هذه الحالة إلى درجة يبعدهم عن احترام رجال العلم الذين يسلكون هذا المسلك ، وقد يحمّلون مراجع الدين مسؤولية هذا الإسراف غير المتوازن مع الرواتب القليلة التي تعطى
هامش
( 1 ) مغنية : من هنا وهناك ص 29 - ص 30 . ( 2 ) الحوماني : العروبة مع الناس ص 39 .
المفصل في تاريخ النجف الأشرف — صفحة 78 | حسن عيسى الحكيم