النجف نادرة من النوادر ، وأعجوبة من الأعاجيب ، يعني أهلها بقول الشعر وسماعه والحديث عنه عنايتهم بالمسائل اليومية من أكل وشرب ، أنهم أدباء كما يتنفس المرء الهواء ، ولا تسل - بعد ذلك - عن الكتب والمكتبات ولأسر العريقة في العلم والأدب والشعر ومجالسها الخاصة والعامة ، وما يتلى من شعر الأفراح والأحزان ، وفي مأتم الحسين بن علي عليه السلام ، وما يتفاخر به الشعراء ويسمر به الناس ، فالشعر في مدينة النجف حياة ، وهو لدى أبنائها ولا أسهل منه أو أيسر ، انه فيها كالماء والهواء استسهالا واستعظاما جدا وهزلا ، وهو مجد كما هو مرتزق ، وعلامة فارقة لا تكاد تضاهيها في بلدة أخرى في العالم العربي ، وقد تذكر الحلة - بوجه من الوجوه - ولكن الحلة والنجف تكادان تكونان شيئا واحدا ، فالسيد حيدر الحلي في الحلة كما هو في النجف يقرأ ويحفظ ويتلي ويترنم ويعجب ثم أن بين الحلة والنجف وشائج نسب كما هو بينهما من وشائج الأدب ، وهناك آل القزويني في الحلة ، وآل القزويني في النجف « 1 » .
ويعود الفضل الكبير لمدينة النجف الأشرف في حفظ اللغة العربية وسلامتها من العجمة ، بعد أن دخلت الكثير من الكلمات الدخيلة في العصرين العثماني والفارسي في المجتمع العراقي ، وبما تملكه النجف من قدرة وقابلية علمية ساعدت على إيقاف الرطانة التركية واللكنة الفارسية ، وكانت كالسد المنيع في حفظ اللغة العربية من الضياع ، وقد أفرد لمدينة النجف في هذا الباب " صفحات مشرقة تتوهج بآيات الفخر والاعتزاز والسؤدد " « 2 » . ويقول الدكتور يوسف عزّ الدين : " ولولا عناية رجال الدين في مساجد بغداد والبصرة والموصل والنجف الأشرف لقضي على اللغة العربية " « 3 » . وبفضل علماء النجف وأدبائها وشعرائها الذين كانوا
هامش
( 1 ) الطاهر : الجواهري من المولد حتى النشر في الجرائد ، ديوان الجواهري 1 / 27 .
( 2 ) الصالحي : ( شعراء من العراق محمد علي اليعقوبي ) مجلة العرفان ، الجزء الثالث ، المجلد ( 50 ) لسنة 1382 ه / 1962 م ، ص 257 .
( 3 ) يوسف عزّ الدين : الشعر العراقي الحديث ص 13 .