كما أدرك أيضا الخطر الناشئ من تعدد المفتين غير الرسميين على الدولة ، والذين ينتشرون في طول البلاد وعرضها ، حيث يفتي كل واحد منهم ، حسب عقيدته ونظرته ومقدرته وعلمه ، والنتيجة الطبيعية لذلك تخريب سلطة الدولة ، وتشويه العقيدة عند الناس ، واهتزاز مكان الشريعة عند المؤمنين ، لذلك كان توحيد الفتاوى ضرورة قصوى ، ومن الطبيعي أن يكون المرجع الأعلى لهذه المهمة مؤسسة الإفتاء في العاصمة العثمانية « 49 » .
* الوضع الخارجي : كان السلطان بايزيد الأول ( جد مراد الثاني ) ، قد استخدم جنودا مسيحيين للحرب ضد الإمارات التركمانية الإسلامية ، لكسب الغنائم والأراضي وكان هذا الوضع هو الأول من نوعه ، حيث كان من سبقه لا يخوضون حرب الغنائم والأراضي إلا مع غير المسلمين ، وقد ترك هذا الأمر انطباعا سيئا في العالم الإسلامي ، واستفاد منه المعارضون لبايزيد الأول من هذه السمعة السيئة ( في ذلك الوقت ) ، ولقد أظهرت هزيمة بايزيد الأول أمام تيمور مدى السخط والاستياء عليه ، وكان لهما الأثر الكبير في هزيمته ، إذ لم تهب الإمارات التركمانية المجاورة له لمساعدته إذا لم تكن قد ساعدت تيمور فعلا « 50 » ، ومن الطبيعي أن يكون السلطان مراد الثاني قد عرف بالمصير المر . الذي آل إليه جده ، وبالصعوبات التي واجهها والده ، وانطبع ذلك في ذاكرته خلال سنوات طفولته ، وتحت هذه الانطباعات التي اكتسبها ، حاول دائما أن يكون سلميا مع جيرانه من الممالك الإسلامية « 51 » ، وهكذا فعند ما كان يقاتل في البلقان الجيش الصليبي في عام 848 ه - 1444 م ، وجه إليه الأمير اللقرماني إبراهيم الثاني « 52 » طعنه في الظهر ، وأراد أن ينقض عليه بجيشه من الخلف ، مما أحزنه كثيرا وزاد من حنقه على الأمير إبراهيم الثاني ، وكان باستطاعته اقتحام أراضي الإمارة القرمانية ، ولكنه لم يفعل ذلك ، إنما توجه نحو فقهاء المذاهب الأربعة لاستفتائهم حول فعله إبراهيم الثاني ، وقد أصدر الفتوى كل من : ابن حجر العسقلاني « 53 » عن المذهب الشافعي ( في القاهرة ، وسعد الدين الديري « 54 »
هامش
( 49 ) - مؤسسة شيخ الإسلام ، ص 34 .
( 50 ) - مؤسسة شيخ الإسلام ، ص 35 ، تاريخ الدولة العثمانية ، ج 1 ، ص 110 .
( 51 ) - مؤسسة شيخ الإسلام ، ص 35 .
( 52 ) - الأمير القرماني إبراهيم بك الثاني بن محمد بن علاء الدين : وهو الذي تولى حكم الامارة القرمانية خلال الفترة ( 819 - 859 ه - 1416 - 1455 م ) ، انظر : قاموس الأعلام ، ج 5 ، ص 3647 .
( 53 ) - ابن حجر العسقلاني ( . . . . . 852 ه - . . . - 1449 م ) ، وهو شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن علي ( ابن حجر ) نسبة إلى آل حجر ، وهو قوم سكنوا الجنوب الأخذ على بلاد الجريد وأرضهم قابس ، الكناني العسقلاني الأصل ، ثم المصري المولد والمنشأ والوفاة ، وكان شافعي المذهب والعلم ، ويلقب بالحافظ ، بل سيد الحافظ والمحدثين في تلك الأمصار ، وهو محدث ومؤرخ