تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
حسن التقسيم ووضوح الرؤية في سياق شعري وئيد الخطا ، أكثر ما يمثل ذلك : قصيدته الميمية في مدح عبد الله بن عبد الملك ، التي مهّد لها بأربعة أبيات أومأ فيها إلى أسفاره المتعددة في عدد كبير من أقطار المنطقة الواسعة التي تحيط به بدءا من اليمن ، مرورا « بالعراقين » « فالجزيرة » فالعتبات المقدسة ومواسم الحج والعمرة ، فالشام ، انتهاء بمصر حيث ولاية الممدوح ومقامه . . . بعد ذلك وصف المشهد المهيب الذي رآه فيه وهو قائم كالطود بين أركان حاشيته وجموع الناس المحتشدة في بابه ، يلقون إليه بتحيات الإكبار والإعجاب ، ويحيطونه بآيات البشر وجميل الانتظار ، لينتهي ذلك المشهد بالبيتين الشعريين الشهيرين اللذين كانا وراء استذكاره والوقوف ولو قليلا عند أخباره وأشعاره :
في كفّه خيزران ريحها عبق * من كفّ أروع ، في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلّم إلّا حين يبتسم
وقد شرحهما الخطيب التبريزي وحدهما شرحا بلاغيا ، وأعربهما إعرابا نحويا ، مضفيا عليهما درجة من السموّ الشعري الملحوظ ، فقال : « يعني بالخيزران المخصرة التي يمسكها الملوك بأيديهم يتعبّثون بها ويشيرون . « وريحها عبق » ( بكسر الباء ) على الصفة ، و « عبق » ( بفتح الباء ) على المصدر ، أي : ذو عبق . وإذا قرن الشمم بالعرنين أو الأنف ، فالقصد إلى الكرم . . » [ شرح ديوان الحماسة ، للتبريزي ، الجزء الرابع ، ص 83 ] . وأما البيت الثاني فقد اكتفى التبريزي بإعرابه نحويا وبيانيا دونما شرحه لوضوح معناه . وقل مثل ذلك في هجائه لعمرو بن الزبير ومدح محمد بن مروان بن الحكم ، حيث رتّبت المعاني وتقابلت في نسقين واضحين : الفضل والفضيلة يزدان بهما المرء ، ويفرغ من الجمال والعزة إذا كان ضخم الهيئة فارغ اللبّ . .
إذا لم يكن للمرء فضل يزينه * سوى ما ادّعى يوما فليس له فضل وتلقى الفتى ضخما جميلا رواؤه * يروعك في النادي وليس له عقل وآخر تنبو العين عنه مهذّب * يجود إذا ما الضخم نهنهه البخل
وما ذلك الوضوح وذيّاك التقسيم الفكري ، إلّا اللّبنات الأولى للبناء الشعري في قصيدة الحزين الذي أدرك ما في الكرم وسماحة النفس من جمال وسحر بالغين ، وذاق من شحّ البخلاء وحماقة الجهلاء ما جعله يتفنن في رسم صور القبح والرذيلة ، معوّضا عن سوء حاله المادية وإهمال الناس له لولا مضاء لسانه ، فكان له هجاء ساخر قاس ، من غير إسفاف في اللفظ أو تبذّل يذكر في المعنى ، كما شاع في كثير من هجاء جرير والفرزدق ومعاصريهما من أهل المفاخرات والنقائض . لا نكاد نقع في شعر الحزين على ألفاظ قاموسية أو حوشية متقعّرة ، من مثل قوله ، في معرض هجائه لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف :