وقيل : « السفيه النذل » ، فقد تنوعت فيه المعاني ، تنوع الأحوال والمهجوين ، - تارة يهجو القبيلة التي ينتسب إليها المهجوّ ، كما فعل بجماعة من بني كعب سخروا منه لسكره .
- وتارة يتناول المهجو بشخصه ، فيعبث بأوصافه كما فعل مع كثيّر عزة الذي كان قصيرا دميما ، فقال فيه الحزين بيتا واحدا من الشعر استثاره فوكزه كثيّر فسقط هو الحمار .
والبيت هو :
قصير القميص فاحش عند بيته * يعضّ القراد باسته وهو قائم
وفي الأغاني [ 9 / 8 ] . أن « الحزين كان طويلا أيّدا » فنهض وحمل كثيّر بيده وضرب به الأرض ، فخلّصه منه الأزهريون . . . والأيّد :
القوي الشديد : فجمع في بيت واحد جملة عيوب لا سبيل إلى ردّها أو التخفيف من وجعها . . .
- وتارة يقوم بمقارنات بين المهجو وبعض المحسنين ؛ فتزداد المعاني وضوحا وتأثيرا ، وتتسع دائرة القبح والسخرية ؛ وربما أجرى المقارنة بين أحوال مهجوّه ، فعرض لحالين متناقضتين يتصورهما فيه ، كقوله في عمرو بن عمرو بن الزبير :
شرّ ابن عمرو حاضر لصديقه * وخير ابن عمرو بالثريا معلّق
ووجه ابن عمرو باسرا إن طلبته * نوالا ، إذا جاء الكريم الموفّق
وهكذا في بقية أبيات المقطع الذي تهالك فيه على ابن عمرو لدرجة استدرار البكاء عليه .
ويكاد البخل يشكل رأس الهرم الذي يتألف منه بنيان المساوئ والعيوب التي شهّر بها الحزين وبأصحابها ؛ فهو منطلق سخطه ومفجّر قريحته الشعرية ، ولذلك كان الحذر والتنّبّه يتجهان إلى ضرورة إكرامه والبذل له اتقاء لشرّه ومغبّة لسانه .
سلك الحزين في شعره مسلك شعراء أهل الحجاز بعامة والمطبوعين منهم بخاصة ، فهو يعتمد على سليقته الشعرية وأريحيته التي تطاوعه في صوغ أفكاره وبلوغ مرامه في كتابة أشعاره . . . وهذا لا يعني بالضرورة ترك الحبل على غاربه ، وعدم التدخل في اختيار الأسلوب وانتقاء الألفاظ والتراكيب . . . ذلك غير ممكن في بيئة أدبية عريقة الانتماء الشعريّ ، وعصر يعج بإكرام الشعراء واقتفاء آثارهم وترصد أشعارهم ، عنيت البيئة والعصر الأمويين اللذين أسهم الخلفاء والولاة والأعيان فيهما برفع مرتبة الشاعر إلى أعلى درجات الاعتبار والعناية . . .
ومع ذلك لم يبلغ الحزين ما كان يطمح إليه من إحراز الموقع المؤثر في حركة الشعر ، إذ لم يرق اسمه وموقعه إلى أيّ من الطبقات الشعرية المعروفة في عصره . فلم يأت على ذكره ابن سلّام الجمحي المتوفى 231 ه / 845 م ولا ابن المعتزّ المتوفى 296 ه / 908 م في « طبقاتيهما » ، كما لم يعن به الدارسون القدامى ، ولم يحظ بنصيب يذكر لدى أصحاب التراجم القدماء والمحدثين .
وسأعمد إلى شعره المنثور في كتاب الأغاني ، ونتف أخرى في المظانّ الأدبية المشار إليها فيما قبل ، عارضا لأهم السمات التي تميّزت بها لغته الشعرية .