عندما خاب مطلبه من أحد سادة قريش :
عمرو بن عمرو بن الزبير بن العوام الذي رفض أن يمدّه بما سأله مجيبا ، أي عمرو ، « كيف تكون مستحقا لشيء وأنت تشتم أعراض الناس ، وتهتك حريمهم ، وترميهم بالمعضلات » ؟ فإذا بالشاعر يقذفه بأقذع صور الهجاء ، قصيدة بعد قصيدة ؛ ولا أظنه ارتوى منه ، أو تأثر بزجر الزاجرين ونهي سعاة الخير . ومما قاله فيه :
لعمرك ما عمرو بن عمرو بماجد * ولكنّه كزّ اليدين بخيل
ينام عن التقوى ويوقظه الخنا * فيخبط أثناء الظلام يجول
فلا خير في عمرو لجار ولا له * ذمام ولكن للّئام وصول
مواعيد عمرو ترّهات ووجهه * على كل ما قد قلت فيه دليل
جبان وفحّاش لئيم مذمّم * وأكذب خلق الله حين يقول . . .
وعندما سئل عن سبب هذا التهالك والمبالغة ، وأنه كان يكفيه منه بعض ما قال ، أجاب :
« ذلك والله أرغب للناس فيها » . فهو إذا يريد الشيوع والتعميم ، ولا يرضى بالمهانات العابرة . . . فهل هي نفسه التي لا توسّط لديها ، أم رغبة دفينة في بلوغ شعره أقاصي الأرض وأمداء العصور الآتية ؟
لم يخض الحزين - من خلال ما أورده الأغاني بخاصة ، من نصوص متفرقة لشعره الذي لم يشر أحد إلى جمعه - في أمور خارج غرضي المدح والهجاء ، يليهما بنسبة أدنى ، غرض الغزل . . . ولكنّ نسبة الهجاء تفوق سائر أغراضه ، إذ بلغت أبيات الهجاء في الصفحات العشرين التي أفردها له أبو الفرج الأصفهاني ، قرابة الثمانين بالمائة ( ستة عشر بيتا في المديح وسبعة وستون بيتا في الهجاء ) .
وهناك بضعة أبيات في نصح صديق ؛ ولم يرد له أيّ شعر في الغزل على الرغم مما شاع عنه حبّه لقينة في المدينة كان يهواها ويتردد إليها ويغشاها ، فبيعت وأخرجت عن المدينة ، فاكتأب لها كثيرا وربما سمّي الحزين لأجل ذلك . . .
- وأهم ما يستدعي الانتباه في مدحه الشعري اقتصاره على المزايا الذاتية التي يتمتع بها الممدوح من خلق رفيع ينضح بالمهابة والحياء من كل جهة ، ولين جانب على بأس وحزم وعدل ، وعطاء لا حدود له . . .
كلتا يديه ربيع عند ذي خلف * بحر يفيض وهادي عارض هزم
أي مقدّم سحاب معترض أفق السماء يندلق منه الماء من غير انقطاع .
وقد يلام على ذلك العطاء ، لكنه يمضي إلى بذل ما لم يخطر له ببال ، محاولا أن يفعل المعجزات ، كقوله في مدح جعفر بن محمد الذي كساه بأحسن الأثواب لملاقاة عبد الله ابن عبد الملك :
يحاولنه عن شيمة قد علمنها * وفي نفسه أمر كريم يحاوله
الضمير في « يحاولنه » للوّامه .
وأما الهجاء الذي اشتهر به والتصق اسمه به ، فقيل : « الهجّاء الخبيث اللسان ، الساقط »