ولا يعني هذا أنّ الحراني لم يكن على درجة عالية من الثقافة والخبرة الممتازة التي اكتسبها في رحلته المشرقية . إذ لا شكّ أنّ المدّة الطويلة التي قضاها في هذه الرحلة قد أكسبته خبرة وعلما ، ليس في مجال اختصاصه في الطب فحسب ، بل في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية . ويدل على ذلك ما نقله ابن جلجل عنه في وصفه للخليفة الحكم المستنصر بالله عن مدى إتقان ونظافة وحسن ترتيب الأطعمة في حوانيت الطباخين بالبصرة ، لا سيّما « الغضاير » ، أي صحاف الأكل المتّخذة من الخزف المعمول من الطين الحر اللّازب الأخضر ، والمغطاة بأغطية زجاجية . وكانت هذه الحوانيت مسطّحة ومفروشة بالرخام الملوّن الفائق الحسن ، وكان القائمون عليها يقفون بالمناديل والأبارق لخدمة الزبائن . وقد أعجب الخليفة بهذا الوصف ، وحاول في إحدى جولاته من مدينة الزهراء إلى قرطبة ، أن يقارن بين هذه الأسواق ، وبين أسواق الطباخين في قرطبة ، وما يتّخذونه من « قلل » ( جمع قلّة ) ، وهي مواضع الجمر والرماد الحار المخصّصة لإنتاج الطعام ، وكانت تحتوي على شحوم وأطراف .
فقال الحكم للطبيب أحمد الحراني معلّقا عليها : « يا أحمد . . . أين هذه القلل من تلك الغضائر التي بالبصرة » وضحك على ذلك . . .
وعجب به . . . [ طبقات الأطباء ] .
تولّى أحمد الحراني في عهد خليفة الحكم ابنه هشام الثاني المؤيّد بالله ، خطة الشرطة ، وخطة السوق . وهي من الوظائف المهمّة في الدولة ، حيث تقابل الأولى منهما ما يعرف في الوقت الحاضر بالمحافظ ، الذي وظيفته المحافظة على الأمن والنظر في الحدود ، والضرب على أيدي المفسدين . وكانت ولايتها لا تعطى إلا للأكابر من رجالات الدولة ، ممّا يشير إلى مكانة الحراني . أما الثانية فيعرف متوليها بصاحب الحسبة ، لأنّ أكثر نظره إنّما كان يجري في الأسواق من غشّ وخديعة ، وتفقد المكاييل والموازين .
ولا بد أنّ الحراني قد استمر في ممارسة اختصاصه في الطب في عهد الخليفة هشام ، حتّى وفاته في أواخر القرن الرابع للهجرة / العاشر الميلادي .
المصادر والمراجع
ابن جلجل ، طبقات الأطباء والحكماء ، تح . فؤاد سيد ، القاهرة ، المعهد الفرنسي لآثار الشرقية ، 1955 ، ص 112 - 114 ؛ صاعد الأندلسي ، طبقات الأمم ، تح .
حياة العيد بو علوان ، بيروت ، دار الطلية ، 1985 م ، ص 190 - 191 ؛ ابن الأبّار ، التكملة لكتاب الصلة ، نشر ، عزت العطار الحسيني ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، 1955 - 1956 ، 1 / 15 ؛ ابن أبي أصيبعة ، عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، تح . نزار رضا ، بيروت ، دار ومكتبة الحياة ، 1965 م ، ص 487 .
د . عبد الواحد ذنون طه
جامعة الموصل - العراق