الترجمة التي كانت تقتصر على النقل ، فأوضح ما كان مستعجما وصحّح ونقح واختصر وأضاف على بعض ما ترجم من علوم الإغريق واليونان ، فجعل متونها سهلة التناول لتعمّ فائدتها .
وقد أشار سارتون بأنّ ثابت بن قرّة ، وموسى ابن شاكر وغيرهما قالوا بالجاذبيّة وعرفوا شيئا عنها . وقال ثابت بن قرّة : « إنّ المدرة تعود إلى السفل لأنّ بينها وبين كلية الأرض مشابهة في كلّ الأعراض ، أعني البرودة والكثافة ، والشيء ينجذب إلى أعظم منه . . . » . وقد شرح محمد بن عمر الرازي هذه العبارة في أواخر القرن السادس الهجري ، فقال : « إننا إذا رمينا المدرة إلى فوق فإنها ترجع إلى الأسفل ، فعلمنا أنّه فيها قوّة تقتضي الحصول في السفل ، حتّى أنّا لمّا رميناها إلى فوق أعادتها تلك القوّة إلى أسفل . . . » [ طوقان ، علماء العرب ، ص 126 ] . . .
وذكر قدري طوقان [ م . س ] أنّ ثابت بن قرّة قد مهّد لإيجاد حساب التفاضل والتكامل ، الذي أعان كثيرا في حلّ عدد كبير من المسائل العويصة والعمليّات الملتوية . واشتغل في الهندسة التحليليّة وأجاد فيها إجادة عظيمة وقد وضع كتابا بيّن فيه علاقة الجبر بالهندسة ، والهندسة بالجبر ، وكيفيّة الجمع بينهما ، وحلّ بعض المعادلات التكعيبيّة بطرق هندسيّة استعان بها بعض علماء الغرب في بحوثهم الرياضيّة ، في القرن السادس عشر للميلاد مثل كردان وغيره من كبار الرياضيين .
وثابت بن قرّة أوّل عربي وشرقي بحث في المربّعات السحريّة بعد علماء الصين ، كما كانت لثابت بن قرّة جهود بارعة في « الأعداد المتحابّة » [ طوقان ، علماء العرب ، ص 126 ] وألّف فيها . والأعداد المتحابّة أعداد نادرة جدّا ، ذكر ليونارد أويلر ( ت 1783 م ) منها اثنين وستّين ، كان المعروف منها قبله ثلاثة أزواج ، ويكون العددان متحابين إذا كان مجموع المضروبات في العدد الآخر مساويا للعدد الأوّل نفسه وفي الزوجين المتحابّين 220 ، 284 وتوضيح لهذا :
- العدد الأوّل 220 ، عوامله هي : 1 ، 2 ، 4 ، 5 ، 10 ، 11 ، 20 ، 22 ، 44 ، 110 ، 55 ، ومجموعها 284 ( وهو العدد الثاني ) .
- العدد الثاني 284 ، وعوامله هي : 1 ، 2 ، 4 ، 71 ، 142 ، ومجموعها 220 ( وهو العدد الأوّل ) . ويعتبر ثابت من أهمّ علماء العصر في الميكانيك فقد صنّف كتابا في ذلك .
ويقول حكمت عبد الرحمن [ فروخ ، تاريخ العلوم عند العرب ، ص 296 ] : « أمّا في مجال الميكانيك النظري ، فقد ظهر عدد من المفكّرين العرب ، ومن أهمّهم ثابت بن قرّة ، ولعلّه من أعظم علماء الحضارة العربيّة في هذا المجال » . فقد صنّف كتاب القرسطون ، وبحث فيه ديناميكيّة الرافع بالطريقة الإستاتيكيّة الهندسيّة البحتة ، حيث وضع نظريّة ديناميكية ( أساسها القوّة ) ، واستعمل مفهوم القوّة لإثبات هذا القانون ، ويكون بذلك قد ابتكر منهجا في التفكير أدّت تطوّراته إلى تعريف مفاهيم الطاقة والعمل في القرن التاسع عشر .
ولم يقف ابن قرّة عند هذه المحاولة بل أثبت في كتابه قضيّة قد تكون من أهمّ القضايا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 320
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٢٠