تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
من الأسئلة في بعض النوازل الفقهية ليصدر فيها فتاويه . وقد جمع لنا تلميذه المهدي ابن القاضي الكثير من تلك الأجوبة والفتاوى مما يصلح لأن يكون مؤلفا مستقلا بذاته . وفيها تبدو مقدرة الحراق العلمية ونفسه العالي وتحقيقه الرصين وتدقيقه المكين . وقد وجد الفقيه الحراق من خلال أعماله أنصارا كما وجد له أعداء ، وخصوما ، خصوصا في مدينة صغيرة كتطوان . وهكذا قامت عصبة من المتآمرين للنيل من الفقيه العالم والشريف الجليل . وقد ذكر التهامي الوزاني في كتابه « الزاوية » ملابسات تلك النكبة ، حيث إن هؤلاء الطغام عمدوا إلى حيلة نكراء ليجعلوها حجة في إسقاط الفقيه الحراق الموفد من قبل السلطان . فلما كان يوم الجمعة وقت الخطبة ، وجاء العالم الشاب يخطر في ثيابه الرفيعة وأرجاؤه تضوع بالروائح الطيّبة ، اعترضت طريقه وهو داخل مقصورة المسجد امرأة جميلة خضراء الدمن تتعلل باستفتائه في قضية عرضت لها . فجمع أولئك الطغام شرذمة من شهود الزور على باب المقصورة ، وأشار مشير من داخل المسجد ، فأطلت الفاجرة كأنها لا تعلم ما وراء باب المقصورة حتى طلعت على المصلين ، فتهامس الناس وحوقلوا وشاعت القضية . وشهد في تلك المؤامرة 144 رجلا . ثم رفعت القضية إلى قاضي المدينة عبد الرحمن الحايك الذي كان يغار من الفقيه الشاب الذي نازعه على المسجد الأعظم . فكتب رسم الشهود ودفع إلى عامل المدينة ابن يوسف الذي وجهه إلى السلطان مولاي سليمان الذي عزل الحراق من الإمامة والعدالة . والأمر كله مؤامرة فاضحة لأنه لا يتصور أن لا يختار الرجل لفجوره إلا مقصورة الجامع وقت خطبة الجمعة . تألم الفقيه الشريف صاحب النفس الأبية والأخلاق العلية ولزم بيته فلزمته العلة حتى أشرف على الهلاك . وقد ترك لنا قصيدته التي يستغيث بها ويقول في مطلعها :
أمحمّد إنّي بجاهك عائذ * ممّا عرى جسمي من الضرّاء
حتى يقول مخاطبا ربه :
كفّ الأذى عني بفضلك عاجلا * واغفر رذائل أسفه السفهاء أنت الغني عن العباد جميعهم * وأنا لفضلك أفقر الفقراء ولقد وقفت بباب عفوك راجيا * منك الرضا يا أرحم الرحماء
وقد ذكر تلميذه محمد بن العربي الدلائي الرباطي أنه لما اشتد به مرضه هذا قال : « سبحان الله ، فما فائدة هذا العلم والجاه الذي لا يوصل صاحبه إلى الله ؛ ولا يعرفه مولاه ، والله لئن عافاني الله ، لأدخلن في طريقة القوم » . فلما عافاه الله من علته أتاه طلبة العلم فأشار عليهم بتدريس كلام القوم فاقترحوا عليه تدريسهم الحكم العطائية . وشرع في تدريسها بالزاوية الدرقاوية التي وضعت رهن إشارته من طرف فقهاء الزاوية حيث كان ممنوعا من التدريس بالمسجد الأعظم . وبقي يدرس الحكم وعلوم الشريعة حتى لمع نجمه من جديد ، وطار صيته في مشرب القوم واتصل بالقطب الأشهر مولاي العربي الدرقاوي الذي كان في زيارة لقبيلة