تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
والإمعان في الجناس والتورية والإكثار من ألوان البديع والاقتباس من آي الذكر الحكيم ، فكان بهذا اتباعيا في شعره غرضا وقالبا وأسلوبا [ محمود رزق سليم ، عصر سلاطين المماليك ، 2 / 246 ، القاهرة 1947 ] . أما دراساته الفقهية البحتة فلم يتعد فيها مستوى تحرير المسائل داخل إطار مذهبه الشافعي ، ولا نلاحظ ما يميّز كتابته في هذا الشأن عمّا هو سائد وقتئذ . وإنتاجه في هذه الدائرة لم يتعد شرح بعض كتب المذهب المتداولة آنذاك وتنقيحها ، والإفتاء في النوازل بحكم توليه مهام قضاء الشافعية والإفتاء والوعظ . ولا شكّ أن البرنامج الفقهي الذي درسه وإطار الطموح المهني لطبقته الاجتماعية ومقتضيات عمله كقاض ، هي التي جعلته « فقيها تكلّفا » [ ابن العماد ، الشذرات ، 7 / 271 ] . أما أبحاثه التاريخية التي جاءت ثرية بالتراجم والسير وتسجيل الأحداث فتكتسي أهمية خاصّة ضمن مصادر التاريخ المملوكي ، لأنها تمثل أقوال شاهد على عصره بحكم تعدّد وظائفه العلمية وولاياته الدينية كالقضاء والإفتاء والتدريس والخطابة والوعظ . ونجم عن هذا اتساع علاقاته بشخصيات عصره من سلاطين ووزراء وقواد وعمال وقضاة وعلماء ، وكثرة احتكاكه بمختلف الطبقات الاجتماعية والفئات المهنية ، فسهل عليه بذلك استيفاء المعلومات مباشرة من مجريات الأحداث ووقائع الحياة ، وانعكس هذا على كتاباته التاريخية من حيث دقتها وتنوعها وتغطيتها لمعظم نشاطات المجتمع ورصدها لمختلف ظواهره ونظمه وأوضاعه . وأسهم عمله هنا في توثيق جزء هام من المرحلة الوسيطة للتاريخ الإسلامي ، واعتبر ابن حجر مؤرّخ القرن التاسع [ بشار عواد معروف ، الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام ، 127 ، ط . الحلبي ، القاهرة ] ، وطوّر الكتابة التاريخية بمنهجيته الجديدة التي طبقها في مصنّفه التراجميّ « الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة » وقوامها التأريخ بحسب القرون ، وقبل ذلك كانت طريقة الحوليات أو التأريخ بحسب العصور - الدول - هي الأسلوب المتبع ، وأضحى بهذا كتابه المذكور أصلا منهجيا لكتب التراجم التي ظهرت بعده كما هو ملاحظ في كتابات السخاوي والسيوطي والنجم الغزي ومحمد القادري وعبد السلام بن سودة وغيرهم [ انظر التفاصيل ، الزعايري ، ابن حجر ، 1 / 134 ] . ورغم هذه القيمة المتميّزة لابن حجر المؤرخ فإن الدارسين للحركة الثقافية في العهد المملوكي قد أغفلوا ذكره بين المؤرخين ، ومردّ ذلك إهمالهم لدراسة كتبه التاريخية دراسة تقويم ، وغلبة الحديث على ثقافة المترجم وتميزه فيه واشتهاره به أخفى جوانب إبداعه وتبريزه الأخرى في ظلّ صفته كمحدث . لذلك أدرجه معظم من ترجم له في الحفاظ وأهمله كمؤرخ . ومما شجع على هذا أيضا شيوع الاعتقاد الخاطئ بأن النتاج الفكري لعصر المماليك خال من الجدّة والإبداع ولا يخرج عن نطاق الجمع والتهذيب ، وقد تداركت البحوث الحديثة هذا الخطأ وأنصفت الرّجل [ بشار عواد ، الذهبي ومنهجه ، 127 ؛ محمد عز الدين ، ابن حجر مؤرخا ، 7 ، 8 ، 309 ؛ عبد الستار الشيخ ، الحافظ ابن حجر ، 173 - 193 ] .