( 815 - 869 ه ) وهو من النابهين إلا أنه فرّط في كتب أبيه بعد موته ولم يستمر على سنّته في العلم . ولم يعش له من الأسباط إلا الجمال يوسف بن شاهين ، وهو ابن زين خاتون البنت الكبرى للمترجم له ( 802 - 833 ه ) .
تميّزت شخصية ابن حجر بالتواضع الجمّ والحلم مع معرفته لقدر نفسه ، وكان كاظما للغيظ ، جلدا على النوائب ، متحريا في مكسبه ، حسن المعشر رضي الأخلاق محتاطا لدينه في كل أمره ميّالا لأهل الفضائل ، قوّاما صوّاما مقتفيا في ذلك طريق السلف [ البقاعي ، م . س ، ق 286 ] .
على هذا المنوال عاش حياته الطاهرة المفعمة بقيم الخير والصلاح ، والمتميّزة بالجهاد العلمي الطويل ، تأليفا وإفتاء وتدريسا ، إلى أن بدأه المرض يوم الثلاثاء الحادي عشر من ذي القعدة سنة 852 ه بعد أن رجع من مجلس الإملاء ، حيث حصل له إسهال مع رمي دم ، واستمر به ذلك إلى أن توفي بعيد صلاة العشاء الآخرة من ليلة السبت المسفرة عن اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة من السنة نفسها [ ابن فهد ، م . س ، 337 ] بمنزله بحارة بهاء الدين بالشمال الغربي لمدينة القاهرة . ويغلب على الظنّ أنه مات مطعونا وهذا ما يشير إليه السخاوي حين قال : ولا أستبعد أن يكون أكرم بالشهادة فقد كان الطاعون ظهر كما أسلفنا [ التبر ، 223 ] .
وشيّعته القاهرة حزينة في موكب مهيب لم ير من حضره من الشيوخ فضلا عمّن دونهم مثله ، وصلّى عليه من الغد قبيل صلاة الظهر بمصلى المؤمني بالرميلة تحت القلعة خارج القاهرة [ ابن فهد ، م . س ، 337 ] . وحضر الصلاة عليه السلطان الظاهر جقمق وأتباعه [ م . س ، 338 ] فقدّم الخليفة العباسي المستكفي بالله أبا الربيع سليمان بن المتوكل على الله لذلك [ السخاوي ، الذيل ، 88 ] .
فصلى عليه علم الدين صالح بن عمر البلقيني ( ت 868 ه ) بإذن الخليفة . ثم نقل نعشه إلى القرافة الصغرى فدفن فيها بصدر تربة الزكي الخروبي - شرقي محرابها - المقابلة لجامع محمد الديلمي ، بالقرب من الإمام الليث بن سعد ، بين تربة الإمام الشافعي والشيخ مسلم السلمي [ ابن فهد ، م . س ، 388 ] وقبره اليوم يتبع قرافة سيد عسل [ شاكر محمود ، ابن حجر ودراسة مصنفاته ، 1 / 194 ] . وأورد السخاوي في الجواهر الكثير من مراثي شعراء عصره فيه .
يلاحظ الدارس لأهم أعمال المترجم له أن طريقته في معالجة أبحاثه تتّسم بخصائص أكاديمية أصيلة أضفت على كتبه قيمة علمية مميّزة وأهمّها :
السمة الموسوعيّة : ومعلوم أن هذه الصّفة كانت إحدى الطوابع الثقافية الغالية على عصر المماليك نتيجة ظروف تلك المرحلة التي واجه فيها العلماء مشكلة النقص الكبير في رصيد المكتبة الإسلامية للأسباب التي سبق ذكرها .
وفي إطار كل فن حديثي كتب فيه ابن حجر ، كان عمله مستقصيا لمسائله ، ومستوفيا لكل متعلقاته ، ومؤكدا اطلاعه على جلّ - إن لم يكن كل - ما كتبه السابقون فيه . فكانت لذلك كتاباته أكمل البحوث وأوفاها في بابها .
الموضوعيّة : مع أنّ المترجم له سلفيّ الثقافة ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 222
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٢٢