مع هذا فإن أهمّ موقع تميّز للمترجم له يكمن في دراساته الحديثية التي ارتبطت بها شهرته وانبنت عليها مكانته في تاريخ الثقافة الإسلامية حتى صار اسمه لا يذكر إلا مقرونا بلقب الحافظ .
والشهادات التي تؤكد إمامته في علم الحديث وحاكميته فيه لا حصر لها ؛ وقد أترعت بها أخباره في كتب شيوخه وأقرانه وتلاميذه ومن جاء بعدهم ، وكلها تجمع على أنه نسيج وحده في هذا الشأن وفريد وقته فيه .
وبصفة إجمالية خدمت جهوده العلمية الحديث في مجالين أساسيين هما :
- الناحية المنهجيّة ، باعتماده على طريقة مجدية في البحث تقوم على استقلال النظرة والتحرّر من روح التعصب ، والتمسك بالدليل ، والتطبيق الواسع لمنهج الاستقصاء والتعمق والنقد ، والتوظيف المثمر للقواعد والمصادر ، ولهذا التمشي أثره الإيجابي في تجويد نتائج دراساته .
وتظهر أهمية الناحية المعرفية لأعماله في إضافاته القيّمة على نحو لم يتهيّأ لغيره . في مجالات التخريج والشرح والتأريخ والتوثيق ، واشتغاله بمراجعة أعمال السابقين وتهذيبها جمعا وتلخيصا وتكميلا وفهرسة وتقويما ، وكثرة مؤلفاته الحديثية الجامعة التي أصبحت اليوم مصادر من الدرجة الأولى في بابها لاستيعابها وغزارة فوائدها ودقتها . كما أن احتواءها على رصيد وافر من النقول والنصوص المأخوذة عن مصنفات قديمة لم تصلنا ، يزيد في أهميتها باعتبارها مصادر وسيطة عملت على حفظ التراث .
والنظرة التفصيلية في أعماله تبيّن أنه لا يوجد فن حديثي إلّا وله فيه قول وله فيه كتاب ، وأبرز الأبحاث التي تميّز فيها وفاق بها غيره وأنالته مقام الصدارة بين المحدثين أربعة :
1 - الدراسات الرجالية : وهي من حيث تأليفه فيها ، كثرة وضخامة وجودة وأثرا ، تعدّ أهمّ مواقع تميّزه ، وجميع من بعده تبع له في هذا الميدان لما في أبحاثه من إحاطة وتدقيق وإضافة نوعية في مجالي التراجم والجرح والتعديل التطبيقي . وأعظم جهوده في هذا المضمار دراساته المتنوعة التي خصّ بها رواة أصحاب الكتب الستة ، ورجال الأئمة الأربعة ، وتراجم الصحابة ، ومجموعها يمثل دراسة متكاملة لعامة رواة الحديث في عصر الرواية ، اعتمد في نخل مادّتها على معظم كتب الرجاليّين الذين سبقوه ، ودراسته هذه تعدّ أوعب مراجع بابها وأعظمها فائدة .
2 - شرح الحديث : برّز فيه لسعة حفظه وقوّة ملكته الفقهية وحذقه للّغة ، واكتسب بذلك قدرة بارعة على الاستنباط جعلته فقيه المحدثين في عصره ومحدث الفقهاء . ومع أنه شافعي المذهب إلا أن خصوصيّته كمحدث علم جعلت تمشيه في الشرح متميّزا بالاستقلالية وقوة الارتباط بفقه المحدثين .
فهو شديد الحرص على التمسك بالسنة وعدم مخالفتها ، وهو يجري في تخريج المسألة على الجمع المستوعب لما جاء فيها بمصادر الحديث من المرفوعات والآثار ويبني عليها الحكم إذا صحّت دليلا شرعيا سواء وافق ذلك مذهبه أو خالفه ، وسواء قال به الجمهور أم لا . المهمّ أن يكون الحديث سالما من الطعن ولم يعارضه ما هو أقوى منه وسلم
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 225
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٢٥