ومكتبات المدارس بأمهات المصادر ونفائس التراث نتيجة حركة الإحياء الثقافي الواسعة النطاق التي عرفها هذا العصر ، وقد كان المترجم له نفسه يتصرّف في ثروة ضخمة من الكتب لم يجتمع لغيره مثلها ولا قريبا منها وهي تزيد ملكا ووقفا بما في المدرسة المحمودية التي إليه أمر خزانتها على عشرة آلاف مجلد [ البقاعي ، م . س ، ق 31 أ ] .
ولا شك أنه انتفع بهذه الكتب في تحصيله وإنتاجه ، وقد تحدث عن هذه المكتبة فذكر أن الكتب التي بها - وهي كثيرة جدّا - من أنفس الكتب الموجودة بمصر في عصره [ المقريزي ، م . س ، 3 / 368 ] .
والعامل الحاسم في تكوينه ونبوغه يكمن في كفاءة المشيخة العلمية التي تخرج عليها في دراسته ، وهي تضمّ معظم علماء الربع الأخير من القرن الثامن ممّن يعدّون من كبار علماء العصر المملوكي ويمثلون المشيخة العلمية للعالم الإسلامي وقتئذ ، وقد تيسّر للمترجم له الأخذ عن جمع غفير منهم بحكم وجوده في القاهرة عاصمة الإسلام ومثابة علمائه حينذاك ، كما أن رحلاته المتكررة إلى حواضر البلاد الحجازية والشامية واليمنية أتاحت له فرص التلقي عمن كان بها من الأعلام ، فاجتمع له من الشيوخ المشار إليهم ، والمعوّل في حلّ المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره ، لأن كل واحد منهم كان متبحّرا في علمه ورأسا في فنّه الذي اشتهر به لا يلحق فيه [ السخاوي ، الضوء ، 1 / 37 ] .
وهم كثر لا يحصون لأنه توسّع في الأخذ عن الكبار وعن الأقران فمن دونهم ، وقد عرّف بالكثير منهم في عدّة من تصانيفه كالمجمع المؤسس وهو في مشيخته والمعجم المفهرس وهو في مروياته ، وبلغ عدد من أخذ عنهم بالسماع والإجازة الخاصّة نحو الأربعمائة وخمسين ( 450 ) نفسا وذلك دون مشايخه بالإجازة العامة [ البقاعي ، م . س ، ق 21 ب ] وأبلغهم السخاوي بكل أقسامهم - اعتمادا على ما سمعه من ابن حجر . ستمائة وثلاثين ( 630 ) شيخا [ الجواهر ، 1 / 134 - 177 ] .
ومن الذين تابعوا تكوينه منهم وأطروه وأخلصوا في تثقيفه وتوجيهه وتخرّج عليهم :
- التنوخي برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد ( 709 - 800 ه ) وهو شيخ الديار المصرية في القراءات وعلو الإسناد في وقته ، - والأبناسي برهان الدين إبراهيم بن موسى ( 725 - 801 ه ) اجتمع به قديما ولازمه كثيرا لاختصاصه بأبيه وتفقّه به والغماري أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي ( 720 - 802 ه ) كان رأسا في العربية ومتعلّقاتها متفوقا في حفظها . قال عنه السيوطي : تفرد على رأس الثمانمائة بعلم النحو ، وإنه في ذلك كالبلقيني في الفقه والعراقي في الحديث [ ابن العماد ، الشذرات ، 7 / 19 ] وابن الملقن السراج أبو حفص عمر بن علي بن أحمد ( 723 - 804 ه ) تفقه به المترجم وكان كثير التصانيف والبلقيني السراج أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير ( 724 - 805 ه ) كان واسع الحفظ وكثير الاطلاع ، لازم المترجم دروسه الفقهية وتخرّج به في هذا الفن ، والعراقي زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين ( 725 - 806 ه ) كان الحافظ المقدم في عصره في معرفة علوم الحديث ، لازمه ابن حجر عشرة
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 219
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢١٩