وحماة ، والبيرة ، وعينتاب ، وصرخد ، وزاوية خضر ، وصالحية دمشق ، والزعيفرينة ، والنيّرب ، والخربة ، والباب ، وبزاغة ، والسحولية ظاهر حلب .
والمعلومات التي أوردها البقاعي وغيره عن البرامج التي كان يدرسها ابن حجر في مدة اختصاصه تعكس دسامة مادتها العلمية وعمق التكوين الذي أتيح له في دراسته العليا [ عنوان الزمان ، ق 21 ب - 22 ب ] فقد فرغ وقتئذ من قراءة أهم مصنفات الحديث رواية ودارية واطلع على معظم كتب هذا الفنّ ونسخ الكثير منها .
ولم يمض سنوات قليلة من الكدح العلمي والدأب على الطلب حتى برع في الحديث وتقدم في جميع فنونه [ سيوطي ، نظم ، 45 ] :
وفاق أقرانه في ذلك ، ورأس فيه في حياة شيوخه وشهدوا له بالحفظ [ م . ن . ، طبقات الحفاظ ، 380 - 381 ] . وأذن له جلهم أو جميعهم في الإفتاء والتدريس [ السخاوي ، الذيل على رفض الأصر ، 80 ] . وصحّت شهادتهم له وتحقق أملهم فيه إذ صار حافظ عصره وشيخ الإسلام في الحديث وحامل لواء السنة في زمانه [ م . ن . ، الضوء ، 1 / 38 ] .
هذه المرتبة الرفيعة التي تبوأها ابن حجر في تاريخ الثقافة الإسلامية تفسّرها عوامل ذاتية وموضوعية وتاريخية كثيرة مدارها على مواهبه واستعداداته الفطرية وطريقته في التعلم والخصوصيات الثقافية لعصره .
فما حباه الله به من نبوغ دلّت عليه قوّة حافظته وقدرته المدهشة على الهضم والاستيعاب وذكاؤه المفرط وحضور بديهته وصفاء قريحته ساعده على التميّز والتفوّق .
واستفاد في ذلك من حسن رعاية أوصيائه له وحرصهم على تربيته وجودة تكوينه واجتهادهم في توفير فرص تعلّم ممتازة له ، واقترن ذلك كلّه بقوة عزمه وعلو همّته وطموحه إلى امتلاك ناصيّة العلم وتهيّئه لذلك وترويضه لنفسه عليه منذ بداية شبابه ، وتبكيره في الدراسة وطول عمره ومداومته على البحث طوال حياته .
ومما هيّأ لأن تعطي طاقته الذهنية الخارقة ثمارها العلمية على أفضل وجه جودة أسلوبه في الدراسة المؤسس على أصول تربوية قويمة كالحرص الكبير على التعلم ، والنهم الشديد للمطالعة - التي كانت إحدى مشاغله الرئيسية التي لم يتخلّ عنها إلى أن توفي رغم تعدّد مهامه وثقلها - وسرعة الكتابة والقراءة ، وحسن استغلال الوقت وتنظيمه ، وقوّة الاحتمال بالصبر على مشاق البحث ومصاعب الرحلة .
كما أن امتلاكه لمكتبة علمية عظيمة احتوت على أصول المصادر ونوادر الكتب - توفرت له بالاقتناء والنسخ - أتاح له ثروة هائلة من المواد العلمية بنى عليها أعماله التأليفية ، وكتابه المعجم المفهرس الخاص بمروياته من الكتب التي قاربت الألفي عنوان يعكس قيمة هذا العامل في خدمة شخصيته العلميّة .
والطبيعة الثقافية للعصر الذي ينتمي إليه ابن حجر كانت تسمح بظهور علماء من طبقته ، إذ اتجهت معظم الأبحاث حينذاك إلى الدراسات الدينية وخاصّة منها الحديث ، ونشطت الرحلة العلمية من جديد وامتلأت خزائن الكتب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 218
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢١٨