ولا تفصح ترجمته عن العوامل الحاسمة التي حملته على سلوك هذا الطريق . ولعلّ في مجمل الظروف الخاصّة التي حفّت بحياته ما يساعد على فهم أسباب هذا التحول . فابن حجر قد طبع في تربيته المبكرة على يدي وصيه الخروبي بروحانية واضحة متأثرا في ذلك بشخصية هذا الوصي الذي أكثر من الحجّ والمجاورة وكان من أهل العبادة والبرّ والورع . كما أن اتصاله بالحافظ العراقي شيخ المحدثين في زمانه والذي لازمه عشرة أعوام كان له أثر لا ينكر في توجيهه إلى دراسات السنة وتشجيعه عليها . أضف إلى هذا أن الدراسات الدينية الأكثر رواجا في عصر المترجم له هي الدراسات الحديثية التي استأثرت باهتمام معظم علماء العصر ، ولا أدلّ على ذلك من طول قوائم الكتب التي تطالعنا بها معاجم المصنفات وفهارس المكتبات وجميعها من نتاج هذا العهد المملوكي . وفي مقابل هذا لم يكن للشعر والأدب الحظوة الكافية التي كانت له في ما سلف من العهود ، لأنّ الحياة الأدبية في عصر المماليك كانت خاملة لقلة التشجيع وعجمة السلاطين ، لذلك اقتصرت الأغراض الشعرية غالبا على الإخوانيات والمدائح الدينية ومنظومات العلوم والفنون المختلفة وقصائد المناسبات . وما كان للشعر وحاله هذه أن يرضي طموح ابن حجر أو يستأثر باهتمامه ويستوعب طاقته الذهنية المندفعة بكل قوّتها .
في هذه المرحلة اتسع نشاطه في الرحلة إلى أقصاه لقاء لمشايخ عصره إذ حمله شغفه بالعلم ورغبته في التبحّر فيه على الترحّل عن بلده للتّطواف في أرجاء مصر والشام والحجاز واليمن ، فأكثر جدا من المسموع والشيوخ [ السخاوي ، الضوء ، 1 / 37 ] .
وأورد السخاوي في الجواهر والدّرر المدن والبلدات التي سمع بها في رحلاته مرتبة على حروف المعجم ، ومنها بمصر : مصر العتيقة ( الفسطاط ) ، والقاهرة وأحوازها كالجيزة والقرافة وجزيرة الفيل وأنبابة ، وقطية ، وسرياقوس ، وبلبيس ، والإسكندرية بشمال البلاد ، وقوص ، وهو الحمراء بالقرب منها ، وقطيعة بالصّعيد ، والطّور بسيناء .
وتعددت رحلاته إلى الحجاز منذ صغره صحبة والده أوّلا ثمّ برفقة وصيّه الخروبي ثانيا عام 785 ه ثم بمفرده عدّة مرات بعد ذلك كسنوات : 805 و 815 و 824 ه وغيرها للحج والمجاورة والطلب فسمع بمكة والمدينة ومنى وينبع وجدّة وخليص - حصن بين مكة والمدينة .
سافر إلى اليمن مرّتين الأولى في سنة 800 ه والثانية سنة 806 ه وأخذ عن شيوخها في تعز وزبيد وعدن والمهجم ووادي الخصيب وغيرها . وتردّد مرارا على الشام منذ سنة 802 ه حيث دخل دمشق فأدرك بها أواخر أصحاب ابن عساكر والحجار [ ابن فهد ، لحظ ، 327 ] . ومن أفيد زياراته إلى هذا القطر رحلته إلى حلب سنة 836 ه في جيش السلطان الأشرف برسباي ( ت 841 ه ) بوصفه قاضي الشافعية . وقد فصّل رحلته هذه وسماعه فيها في كتابه « الإنباء » في حوليّتي 836 و 837 [ 7 / 274 - 281 ، 295 - 296 ] . ولم يترك بلدا بهذا الصقع إلا ولقي أشياخه فدخل غزّة والرّملة ، والقدس ، ونابلس ، والخليل ، وبيسان ، والمرج ، وحبرون ، وحمص ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 217
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢١٧