علي بن أحمد ( ت 787 ه ) كبير تجار الكارمية في مصر على وقته [ م . س ، 1 / 306 ] ، فاعتنى به عناية فائقة .
نشأ مع أخته الوحيدة ستّ الركب ( 770 - 798 ه ) نشأة صالحة في غاية العفة والصيانة [ السخاوي ، الذيل ، 76 ] . ولم يعان في صباه من الخصاصة رغم يتمه لأنّ والديه تركا له ثروة لا بأس بها بقي معظمها إلى أن رشد ، ويسار عائلته مكّنه من التمتع بكل الفرص المتاحة لأبناء طبقته وقتئذ في مجال الدراسة ، وجعل طفولته سويّة وخالية من المصاعب والتقلّبات . وأقام بمصر إلى تاريخ زواجه الأول في شعبان سنة 798 ه ، ثم تحول إلى القاهرة قبيل سنة 800 ه ، فسكن داخل سورها في دار أصهاره بالقرب من المدرسة المنكوتمرية داخل باب القنطرة [ السخاوي ، التبر ، 233 ] بالقرب من حارة بهاء الدّين واستمر بها إلى أن مات [ السخاوي ، الجواهر ، 1 / 49 ] .
دراسته :
اتبع تعلّمه مسارا طبيعيا متماشيا مع تقاليد عصره وانتمائه الاجتماعي لعائلة راقية ، ويمكن تقسيم مدّة طلبه إلى ثلاث مراحل :
- فترة الدراسة الأولية من سنة 778 إلى سنة 787 ه . قضاها المترجم تحت إشراف وصيّه الأكبر الزكي الخروبي الذي لم يدّخر جهدا في خدمته وتوجيهه ، فأدخله الكتّاب بعد استكماله الخامسة من عمره [ ابن فهد ، لحظ ، 326 ] وحفظ القرآن وهو ابن تسع عند الصّدر السّفطي ( ت 808 ه ) وصلّى به للناس التراويح على العادة بمكة والقدس حيث كان مع وصيّه مجاورا بهما سنتي 784 و 785 ه [ السخاوي ، الضوء ، 1 / 36 ] . وحفظ كثيرا من المتون ومختصرات العلوم في الفقه والأصول والحديث والنحو والقراءات وغيرها كانت قوام دراسته الابتدائية .
- المرحلة المتوسطة من سنة 787 إلى سنة 796 ه ، وهي مرحلة التكوين العام . وتميّزت بأمرين بارزين في دراسته هما : غلبة الطابع الأدبي على اهتماماته إذ تشير كل المصادر إلى أنه قد عرف وقتئذ بميوله الأدبية القوية وتفوّقه في مضمار الشعر بدرجة تعطي الانطباع على أن المترجم قد اختار طريقه الثقافي النهائي في دنيا الأدباء والشعراء .
وانكبابه على مختلف العلوم الشرعية التي يكتمل بها تحصيله وتؤهل لمستقبل وظيفي وعلمي جيّد يأمله كل متعلم خاصة من أبناء الذوات والعائلات الوجيهة ، لذلك اشتغل بقراءة الكتب المعتمدة في هذا المجال لدى علماء عصره . وبانتهاء هذه الفترة اكتملت معارف ابن حجر في اللغة وآدابها واستوعب الكثير من العلوم النقلية والعقلية . ولكن في أواخر هذه الفترة حصل تحوّل جذري في المسار الثقافي للمترجم بدأ مع أوائل الثلاثينات من عمره إذ تفرّغ كليا لدراسة الحديث النبوي وعدل عمّا سواه طوال الخمسين سنة الباقية من عمره .
- مرحلة التخصّص ، وتجمع كل المصادر على أنها بدأت منذ سنة 793 ه حيث حبّب إليه سماع الحديث ولكنه لم يلزم طلبه وينقطع له ويوقف عليه حياته إلا من سنة 796 ه التي اجتمع في رمضان منها بمحدّث عصره الحافظ زين الدين العراقي ( ت 806 ه ) .