ولما استقرّ في مصر اشتهر أمره وذاع صيته ، واغتنى بعد فقر . ولكن يبدو أنه كان متعاليا على الشعراء معتدّا بعلمه وشعره ، فأوغر عليه صدورهم . فلمّا توفّي السلطان المؤيّد الذي كان يبسط عليه حمايته ورعايته سنة 824 ه سنحت الفرصة لحساده من الشعراء فألحّوا عليه بالهجاء ، وتنكّر له خليفة السلطان المؤيّد ، فضاقت نفسه بالإقامة في مصر وربّما اشتدّ استياؤه منذ توفّي البارزي ( 830 ه / 1423 م ) ، فعاد إلى حماه وأقام بها ملازما الاشتغال بالعلوم وبها وافاه الأجل .
وقد أتاح له عمله في ديوان الإنشاء أن يطّلع على الكثير من المكاتبات الديوانية والمراسلات السلطانية ، وأن يمتلك مكتبة ضخمة ، ضمّت عشرات الدواوين لمشاهير الشعراء القدامى ، والمعاصرين ، انكبّ على قراءتها وحفظها . ولهذا حين راح يؤلّف أسعفه ذهنه المتوقّد وحافظته القويّة بإيراد الشواهد الشعرية في مصنّفاته الأدبية والتاريخية ، فهو ينسب الشواهد لأصحابها من الشعراء ، ويذكر أسماء الدواوين أو الكتب التي ينقل منها ، وهي بالعشرات ، إن لم نقل بالمئات ، وقد حفظ لنا أسماء عدّة كتب هي في حكم المفقود حتّى الان . وقد أفاض من مكنون فكره ، ومخزون ذهنه بكثير من عطائه الذاتي ، فسجّل بقلمه الكثير من إنشائه ونفثات قلمه ، وصاغ كتبه الأدبية ممتزجة بالأخبار والحوادث التاريخية القديمة ، والمعاصر لها ، وأطلعنا على أسماء الأعلام المعاصرين له من الأدباء والمؤلّفين وأصحاب المناصب والوظائف في بلاد الشام ومصر . وهذا يبدو واضحا في مصنّفاته الكثيرة .
ولقد نسخ « ابن حجّة » بديعيّة بمدح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم تألّفت من 142 بيتا . أتى بكل بيت منها بشاهد يشير إلى نوع من أنواع البديع ، وشرحها في مئات الصفحات ، مغيرا على مئات الشواهد من دواوين الشعر ومؤلّفات الأدباء ، مستطردا إلى الكثير من المعلومات والحوادث التاريخية التي اشترك في وقائعها ، أو شاهدها وعايشها . وتوّج بديعيته بعنوان كتابه « خزانة الأدب وغاية الأرب » ، فجاء سفرا ضخما من الأدب والتاريخ في آن معا .
ففيه خبر نادر عن يهوديّ كان يبيع الحنّاء والصابون بحماه ، وقائمة بأسماء كتّاب الأدب في عصره ، وخبر الفتنة الكبرى التي جرت بطرابلس الشام عام 802 ه . وتعيين أصحاب المناصب بحماه ، ودمشق ، والقاهرة ، وتأريخه لجماعة من الشعراء وذكر موالدهم ووفياتهم ، ونصوص رسائل عن فتوح مدن وحصون ، أو نصوص تقليد بوظائف ، أو نظم أشعار وألغاز في مشمش حماه ، ورأس العين ببعلبكّ ، ومياه رشعين ، وقصب السّكّر بطرابلس الشام ، ورسالة عن حريق دمشق عام 791 ه . وأظهر أنه أديب ومؤرّخ موسوعيّ ، محيط بكل أنواع البديع وفنون البلاغة ، واستيعابه لكمّ هائل من المعلومات ، استحقّ لأجلها أن يلقّبه ابن حجر ( ت 852 ه ) بأديب عصره . وأن يصفه ابن خطيب الناصرية ( ت 843 ه ) بأنه « إمام أهل الأدب في زمنه » .
لقد قرأ كتاب « المستظرف في كلّ فنّ مستظرف » للأبشيهي ( ت 850 ه ) فألّف على نسقه كتاب « ثمرات الأوراق في المحاضرات » وأتى فيه بمقتطفات من كتب متعدّدة ، من أخبار ، وطرائف ، ونوادر ، ونكت ، ومواعظ ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 211
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢١١