بغداد ازدادت تعاليمه وشهرته اتّساعا ، واستمرّ هو في الوعظ والإرشاد والتدريس والإفتاء ممّا جعل الناس يقبلون على توجيهاته .
في بغداد ، كانت وفاته سنة 561 ه ولا يزال قبره محلّ زيارة عامّة الناس ، ونظرا إلى مكانة الطريقة القادريّة لدى العامّة فقد اهتمّ السلطان سليمان العثماني بمقام هذا الصوفي الشهير ، فأعاد بناء قبره ، وكذلك المسجد الموجود إلى جانب القبر ، وهو مسجد جامع حتّى الآن .
وقد أطلق على الجيلاني العديد من الأسماء فسمي بالغوث الأعظم ، ومعدن الدقائق ، وشمس الشموس ، وسلطان الواصلين ، وإمام المتّقين ، ونقيب المحبوبين ، وسمي أيضا بسيّد السادات ومنبع السعادات [ إسماعيل بن السيد محمد سعيد القادري ، الفيوضات في المآثر والأوراد القادريّة ، ص 194 - 195 ] .
والجيلاني إمام من أئمّة التصوّف السنّي المعتدل ، عارض تيارات التصوّف الفلسفي والنظريات والآراء الفلسفية بالمواجيد الروحانيّة ، وكان حريصا على التمسّك بالكتاب والسنّة ، ملتزما بأحكامها في آرائه وإفتائه ، متأسّيا في ذلك بعلماء السلف وأئمّة الحديث . وتذكر عنه العديد من المصادر أنّه كان عالما بالعلوم الإسلاميّة والعربيّة ، ويتكلّم في ثلاثة عشر علما ، فكان يلبس لباس العلماء ، ويتطيلس ، ويتكلّم ، ويعظ على كرسي عال [ الشعراني ، الطبقات الكبرى ، 1 / 8 - 9 ] .
ولهذا وصفه بعض المؤرّخين بأنه قطب العارفين في عصره ، ولورعه وتقواه عدّه بعض الباحثين أشهر أولياء المسلمين كافّة ، وأعظمهم أثرا خاصّة . وبفضل الطريقة القادريّة انتشر الإسلام في غرب إفريقيا ، ولبساطة تعاليم هذه الطريقة وسماحة شيوخها كان لها الذيوع والانتشار [ توماس أرنولد ، الدعوة إلى الإسلام ، ص 365 وما بعدها ، ترجمة وتعليق د . حسن إبراهيم وآخرين ] .
كان الجيلاني محبّا للعمل ، يتكسب من عمل يديه . وكان تقيّا ورعا ، فاق أهل زمانه في علوم الدين . وهو صوفي سني يمثّل الاعتقاد الصحيح على مذهب السلف الصالح من أهل السنة [ الجيلاني ، الغنية لطالبي طريق الحق ، 2 / 263 ] .
تأثّر به ابن تيمية ، وقال عن طريقته إنّها الطريقة الشرعيّة الصحيحة . كان قويّ النفس عالي الهمّة ، كثير المجاهدة ، زاهدا ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . أشاد به ابن كثير لأنّه عنده كامل أدب النفس . وامتدحه الفقيه الحنبلي عبد الله بن قدامة ( 541 ه ) قائلا : لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه ( أي عن الجيلاني ) ، ولا رأيت أحدا يعظمه الناس للدين أكثر منه [ الموسوعة الصوفيّة ، ص 411 ] ، ولعلّ ما يؤيّد ذلك تسميته « بقاموس الواعظين » [ الفيوضات الربانية ، ص 591 ] .
ولبعض المفاهيم والمصطلحات دلالات خاصّة خالف بها بعض الصوفية ومنها الفناء وهو في تعريفه العام ، مصطلح صوفي يعني عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازم نفسه ، بمعنى تبديل صفاته البشرية ، أي تبديل صفاته البشريّة بصفات محبوبه وهو الله ، دون ذاته ، فكلّما ارتفعت صفة قامت صفة إلهية مكانها ، فيكون الحق سمعه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 607
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٠٧