الجفا ، وحمل الأذى ، والصفح عن عثرات الإخوان [ الفيوضات الربّانيّة ، ص 39 ] .
ولهذا كان يعمد في تربية مريديه ، والسالكين لطريقته إلى تربية أرواحهم ، بتهذيب نفوسهم ، وترويضهم على الطاعة ، والتخلّق بأخلاق الشرع ظاهرا وباطنا ، مع الأخذ بأصول الكتاب والسنّة ، والقيام على أركان الشرع ، وتعلّق إرادة العبد بإرادة الله تعالى ، ويوصيهم بالفقر ، وحفظ حرمات مشايخهم ، وحسن معاشرة الناس ، والنصح لأصاغر الناس وأكابرهم ، مع ترك الخصومة إلّا في أمور الدين ، وبالاتباع وعدم الابتداع ، والطاعة وعدم المخالفة مع الصبر وعدم الجزع ، والثبات والاتحاد وعدم التفرّق ، وانتظار فرج الله وعدم اليأس ، والاجتماع على الذكر ، والتطهّر من الذنوب ، والتعلّق الدائم بالله [ الشعراني ، الطبقات الكبرى ، 1 / 111 ؛ الفيوضات الربانيّة ، ص 39 ] .
وإذا كان الجيلاني يوصي مريديه والسالكين لطريقته بالفقر ، فحقيقة الفقر عتده ألّا يفتقر الإنسان إلى من هو مثله ، وكان رسولنا الكريم القدوة والمثل في ذلك ، ولهذا يوصيهم بمصاحبة الفقراء بالتذلّل والأغنياء بالتعزّز ، وبخدمة الفقراء ، ويكون ذلك بالتواضع أوّلا ، وحسن الخلق ثانيا ، وصفاء النفس ثالثا . وقد حبّب الجيلاني صحبه وأتباعه في الفقر ، لأنّ الفقير عنده لا يستغني بشيء سوى الله تعالى . ومن هنا كان الفقر والتصوّف عنده حدّين أوصى مريديه بعدم خلطهما بشيء من الهزل حفاظا على طريقته والتزاما بمبادئها [ الفيوضات الربانية ، ص 41 ] .
إن الطريقة القادريّة تعتبر من أقرب الطرق الصوفيّة إلى مذهب أهل السنة والجماعة ، وقد انتشرت انتشارا واسعا في كلّ البلدان الإسلاميّة ، غير أنّ انتشارها في بلدان المغرب العربي ، ربّما كان الأوسع ، أمّا في إفريقيا جنوب الصحراء فإنّ للطريقة القادريّة ورجالاتها دورا كبيرا في نشر الإسلام بين الأفارقة والعمل على تثبيت دعائم وجوده ، وقد كانت أسبق الطرق الصوفيّة انتشارا في السودان ، وقام رجالها من فولانيين وسراكوايين وما سينيين بصورة خاصّة بحركات جهاديّة لنشر الإسلام بين الوثنيين السود من جهة ، ولوعظ وإرشاد وتوجيه وتعليم المسلمين منهم من جهة أخرى ، كي يستقيم فهمهم للإسلام وينسجم سلوكهم طبقا لتعاليمه الصحيحة .
وحينما ظهرت الطريقة التيجانيّة في السودان خلال منتصف القرن التاسع عشر ، وقام الحاج عمر الفوتي بحركة جهاديّة لنشرها وإقامة دولة إسلاميّة مركزيّة بناء على تعاليم الطريقة التيجانيّة ، قاومه زعماء الطريقة القادريّة ورجالتها بكل ما استطاعوا سواء بواسطة الحجّة الفكريّة والثقافيّة أو بواسطة القتال والسيف ، وقد أسفر ذلك النزال عن انحصار نفوذ التيجانيّة بالجزء الغربي ، في حين بقيت المناطق الوسطى والشرقية تحت زعامة رجال الطريقة القادريّة ، وممّا يذكر هنا أنّ ذلك النزاع بين جيوش هاتين الطريقتين أضعف السودانيين الغربيين ، وأدّى إلى تسهيل مهمة الفرنسيين بصورة خاصّة في احتلال المنطقة كلّها مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .
وللطريقة القادرية في مصر فرعان يسمّى الفرع
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 610
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦١٠