وبصره ، كما يقول الحديث [ الموسوعة الصوفيّة ، ص 244 ] . والفناء عند الجيلاني هو أعلى مقام السالكين ، يبلغه المتحقق بالقرآن والسنة ، ومعناه أن يفنى العبد عن أهوائه ، ويغلب إرادة ربه بالالتزام بأوامره ونواهيه ، عندئذ يصبح الإنسان عبد الأمر الإلهي وليس عبد هواه . والفناء الصحيح عنده هو الفناء الذي يقرب العبد الولي من ربّه مع زوال توهّم الحسبان والنفع والضرّ من الغير وشهود الزمر لله وحده [ فتوح الغيب ، ص 2 ] .
فالفناء بهذا المعنى عند الجيلاني يختلف عن معناه الشائع عند الصوفيّة ، إذ هو عند الصوفية بمعنى سقوط الأوصاف المذمومة وثبوت النعوت المحمودة . ويتحقّق الفناء عند الصوفيّة إما بكثرة الرياضة ، أو بعدم الإحساس بعالم الملك والملكوت ، وهو بالاستغراق في عظمة البارىء ومشاهدة الحق .
والولاية عنده خلوص محبة العبد الكامل في إيمانه لله ، فإذا استولت محبّة الله تعالى على قلب العبد المؤمن الصالح ، وصار محبوبه لا غيره في قلبه ، استحقّ حينئذ ولايته ، وتكون له المعرفة بالله منه تعالى . والولاية بهذا المعنى هي من تولّى الله تبارك وتعالى حديثه بالإلهام [ الجيلاني ، الغنية لطالبي طريق الحق ، 2 / 261 ] .
وهناك من يرى أنّ الولاية عند الجيلاني وهيبة أو هي محض اجتباء من الله ، واختصاص وعناية منه تعالى بالجيلاني لورعه وتقواه .
ومن أنصار هذا الرأي الشطنوفي الذي يذكر في كتابه « بهجة الأسرار » كثيرا من الأقوال المؤكّدة لهذا المعنى ، وقد نقلها عن أحد معاصريه ، نذكر منها قوله : « سمعت قائلا يقول يا عبد القادر ما خلقتك للنوم ، فقد أحببناك ، ولم تكن شيئا فلا تغفل عنّا » [ الشطنوفي ، بهجة الأسرار ومعدن الأنوار ، ص 21 ] .
ومهما يكن من أمر هذه الأقوال وما فيها من صحّة ، فالثابت وفقا لرأي الجيلاني في مصنّفاته أنّ الولاية أساسها الإسلام ثمّ الإيمان ثمّ العمل بكتاب الله عز وجلّ ، وشريعة رسوله ، ثمّ الإخلاص في العمل مع توحيد القلب عند كمال الإيمان [ الفتح الرباني ، ص 79 ] ، هكذا تجمع الولاية عند الجيلاني بين الكسب والوهب لأنّ المجاهدات وحدها في رأيه ، ليست ضرورة لتحقق العبد بولاية الله تعالى ، وإنّما لا بدّ من فضل الله وإنعامه عليه ، فالولاية عنده « تنزل من الحق لا من الخلق ، شأنها شأن الرسالة تنزل من السماء إلى الأرض » [ الفتح الربّاني ، ص 187 ] وإن كان الجيلاني يؤثّر الكسب على الوهب خاصّة ، وأنّ ولاية الاجتهاد ، كما يقول ، هي الأسلم والأحسن [ د . أحمد محمود الجزار ، الولاية بين الجيلاني وابن تيميّة ، المبحث الأوّل ] .
والشفاعة وفقا لرأي عبد القادر الجيلاني مثبّتة بالأدلّة القرآنيّة والعمدة في التصوّف عند الجيلاني هو المجاهدة بقطع مألوفات النفس والمستحسنات بغية صفائها من أدران الهوى .
وهو أيضا الصدق مع الحق ، حسن الخلق مع الخلق ، والتصوّف الحق عنده طريق للعبادة يلتزم فيه المتصوّف بالكتاب والسنّة التزاما حرفيا مع احترام تام للأوامر والنواهي
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 608
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٠٨