الشرعيّة [ الشعراني ، الطبقات الكبرى ، 1 / 112 ] .
ويفرّق الجيلاني بين المتصوّف والصوفي ، فالمتصوّف المبتدىء الذي يبدأ زاهدا راغبا عن حظوظ الدنيا فانيا عنها ، أما الصوفي فهو الممثّل لله ، وهو المنتهي الذي زهد في الدنيا ، وفنى عنها ، بحيث تأتيه الأشياء فلا يريدها ولا يبغضها [ د . مصطفى حلمي ، التصوّف والاتجاه السلفي في العصر الحديث ، ص 52 ] ، يقول ذلك لأنّ من خصائص التصوّف عنده التفويض والتسليم مع الصبر على المكاره والبلى ، والاستغناء بالله تعالى [ الشعراني ، الطبقات الكبرى ، 1 / 112 ] ولكي يصل الصوفي إلى هذه الدرجة من التسليم والتفويض يعدّ الجيلاني مريده والسالك لطريقته إعدادا روحيّا لكي يصل إلى درجة التوحيد الخالص لله ، وذلك بأن تكون إرادة العبد هي إرادة ما يريده الله تعالى باتباع أوامره ونواهيه ، هذا فضلا عن التحلّي بخصال سبع أطلق عليها اسم الخصال الجامعة وهي : مجاهدة النفس عن هواها ، والتوكّل على الله ، وحسن الخلق مع الناس ، وذكر الله ، والصبر على قضائه ، والرضا بقدره ، والصدق في كل أمر . وبالجملة المؤمن الحق في رأي الجيلاني ، يجب أن يلتزم في سائر أحواله بثلاثة أشياء هي :
أمر يتمثّله ، ونهي يجتنبه ، وقدر يرضى به [ الموسوعة الصوفية ، ص 113 ، 115 ] عملا بقوله تعالى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ سورة الحشر ، 7 ] .
وبحسب إيمان المرء وتقواه يكون ترقيه في مدارج الإيمان ، فالمؤمن إذا قوي إيمانه سمي موقنا ، وإذا قوي إيقانه سمي عارضا ، ثم إذا قويت معرفته سمي عالما ، وإذا قوي علمه سمي محبا ، فإذا قويت محبّته سمي محبوبا ، وإذا صحّ له ذلك سمي غنيا مقربا يستأنس بقرب الله ويطلعه على أسرار حكمه [ الجيلاني ، الفتح الربّاني ، ص 19 ] .
ووفقا لأقوال الجيلاني فالتصوّف عنده مبني على ثماني خصال مردودة إلى ما تحلّى به الأنبياء منها صلوات الله عليهم جميعا ، وأشهرها : السخاء لنبي الله إبراهيم ، والرضا لنبي الله إسحاق ، والصبر لنبي الله يحيى ، والسياحة لنبي الله عيسى ، والفقر لنبيّ الله ورسوله الحبيب المصطفى [ الفيوضات الربانية ]
تلك هي أهمّ الملامح المميّزة للتصوّف عند الجيلاني ، وهو كما نرى فيه التزام بأحكام الكتاب والسنّة عملا بقوله « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي مع تقوى الله وطاعته ، وحفظ حدود الشرع ، ومجاهدة النفس بقطع عقباتها ، ووأد شهواتها ، وإعلاء مطالب الروح على مطالب البدن ، حبا خالصا لله وأملا في مرضاته » ، ولذلك عارض الأدعياء من الصوفية والمبتدعين لأحوالهم القائلين بسقوط التكليف بدعوى المحبّة ، فالمحبّة الحقيقيّة عنده هي العمل بالشرع وبالاقتداء بالرسول قولا وعملا من أجل هذا كلّه عد تصوّف الجيلاني تصوّفا سنيا معتدلا ، ووصفت طريقته - المعروفة باسم الطريقة القادريّة - بالالتزام والاعتدال .
وحدد الجيلاني أساس طريقته ومبناها فقال :
طريقتنا مبنيّة على الكتاب والسنّة ، وسلامة الصدور ، وسخاء اليد ، وبذل الندى ، وكف