ولّى حثيثا وهذا الشيب يتبعه * لو كان يدركه ، ركض اليعاقيب
كان يخشى الهرم ، وينعي الشباب ويرثيه ، وهو يشعر بدبيب الموت ، غير أنّه كان يلهّي نفسه بالغزو بغية أن ينسى ، وهو القائل :
تقول ابنتي إن انطلاقك واحدا * إلى الرّوع يوما تاركي لا أباليا
ذريني من الإشفاق أو قدّمي لنا * من الحدثان والمنية واقيا
ستتلف نفسي أو سأجمع هجمة * ترى ساقتيها يألمان التراقيا
لم يبق من شعر سلامة إلّا قصائد قليلة . وقد ذاع صيته في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ، ذلك أنّ أبرز ما دون من سيرته يتناول أخاه أحمر ، الذي أسره شيخ بني تغلب ، عمرو بن كلثوم ، في الغارة التي شنها في الجنوب ، ولكن أخاه سلامة تشفع له ، فأطلق عمرو سراحه من غير أن يتقاضى فدية لقاء ذلك [ ديوان عمرو بن كلثوم ، مقدّمة القصيدة رقم 2 ؛ الأغاني ، ج 9 ، / 183 ، س 18 ] . ولكن ، بحسب طبعة الأب لويس شيخو ، ورد في ديوان سلامة ، في التعليقات على القصيدة رقم 8 أنّ هذا الحادث وقع لأحمر مع رجل يقال له صعصعة بن محمود ابن مرثد . ولعلّ صعصعة هذا كان من عشيرة عمرو بن كلثوم القيسيّة .
وصلت إلينا قصائد سلامة مجموعة في مخطوطين قديمين ، طبعهما الأب شيخو سنة 1920 ، ولا يحتوي الديوان إلّا على تسع قصائد ، أو قطع منها ، ومجموعها 135 بيتا من الشعر ، أضاف إليها الأب شيخو 36 بيتا جمعها من مصادر شتى . وقد لا يكون هناك سبب يدعو إلى الشك في صحة معظم هذه الأشعار ، التي يتحدث فيها الشاعر عن شبابه الذي ولى ، ويأسف لأنّه لم يكن هاديا له في كبره . وأمّا عن ذكره اللّه في قصائده ، فقد يكون نتيجة التوحيد الذي شاع في بلاد العرب ، قبيل مجيء النبي محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، بفضل النصرانيّة واليهوديّة .
ويتضح من شعره أنّه لم يكن قديما ، وعاش في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ، بدليل ذكره النعمان أبا قابوس ، الذي قتل بأمر من كسرى ، تحت أرجل الفيلة ، في قوله :
هو المدخل النعمان بيتا سماؤه * نحور فيول بعد بيت مسردق
وعلى الرغم من قلّة الأخبار عنه ، فإنّ أشعاره تدلّ على مآثره ومحامد أفعاله . ومن المحتمل أن يكون هو الذي ذكره « ابن دريد » [ الاشتقاق ، ص 149 ] باسم سلمى بن جندل ، حينما روى من أقوال الشعراء في تعظيمه كأحد مشاهير الأمراء ، كقول أحدهم :
مات أبي والمنذران كلاهما * وفارس يوم العين سلمى بن جندل
وقول آخر :
وقبلي مات الخالدان كلاهما * عميد بني جحوان وابن المظلل
وقيس بن مسعود وقيس بن خالد * وفارس يوم العين سلمى بن جندل
تجمع الروايات على أنّه كان أحد فرسان بني تميم المعدودين ، وكانت القبائل تحترمه