عليه . ومن فوائد التّواضع ما هو دنيوي ، ومنها ما هو أخروي . فالدّنيوي ، القناعة والصّبر عند حلول الآفات ، وتقلّب الأمور ، والفوز بحبّ النّاس . والأخروي ، الاقتراب من إدراك العلوم ، وسرعة عمل الطّاعات بجدّ ونشاط ، وحبّ اللّه للمتواضع وغفران ذنبه .
الباب السّابع في شرح وجوه التّوبة وحدودها وتوابعها .
فالتّوبة هي الخضوع لطاعة اللّه بعد الخروج عنها والزّلل فيها واستدراك ما فات منها ، إمّا جهلا وإمّا غلبة من الهوى ، وإمّا غفلة ، وإمّا لمصاحبة أهل السّوء . وأقسام التّوبة تتجلّى في رجل لم يجد للبعد عن المعصية سبيلا فهو عبد هواه ، ورجل تائب بقلبه وجوارحه ، يقاوم هواه بعقله ، غير أنّ هواه يصارعه ويغالبه ، ورجل استكمل جميع شروط التّوبة وغلب هواه .
وحدود التّوبة : النّدم ، والتّرك ، والإقلاع ، والإقرار بالتّوبة ، والاستغفار بها ، وضمان عدم العودة بعد التّوبة . ومن مفسداتها الإصرار على المعصية ، والعودة إليها بعد استكمال شروطها وتأجيلها . والتّوبة عن بعض والإصرار على العبض . وقد تعسّر توبة من أخطأ في حقّ النّاس ، ومن اعتاد فعل القبيح ، وسفك الدّماء عملا أو دفع إلى ذلك ، أو أتلف مالا بنميمة إلى سلطان ، أو أتى محرّما أولد منه ، أو تعوّد لسانه الاغتياب والوقيعة ، أو ضلّل بمذهب سوء ، أو تقاعس عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، طمعا في مال من وجب عليه أمره أو نهيه .
وكيف ما كان ، فمن عزم على التّوبة بشروطها يسّر اللّه له أسبابها .
ومن شروط التّوبة محاسبة النّفس . والمحاسبة هي موضوع الباب الثّامن ، وهي : « تأمّل الإنسان ومراجعة أمور دينه ودنياه بينه وبين عقله ، وليعرف بذلك ماله وما عليه من الحقوق » [ ص 306 ] . وهذه المحاسبة تأتي على قدر العقول والأفهام ، وهي فرض عين .
ووجوهها ثلاثون ، وردت في الكتاب ، منها محاسبة النّفس بعظيم نعمة اللّه على الإنسان في تأليفه جسمه ، وتمام صورته ونوعيّته ، وأشكال أعضائه ، وإخراجه من بطن أمّه ، وبإفادته بالعقل والتّمييز والشّريعة والكتاب الصّادق ، والفهم والإدراك ، والتّدبّر في صنع العالم وتأليفه ونظامه ، والإخلاص في توحيده والتّطهّر للصّلاة والقيام بها على وجوهها ، إذ بفضلها يطّلع الإنسان على الأسرار ، « فيرى بلا عين ، ويسمع بلا أذن ، ويخاطب دون لسان ، ويحسّ بالأمور دون حواس ، ويشعر بها دون قياس » [ ص 321 ] . ومحاسبة النّفس عند الشّره إلى الدّنيا .
وجملة القول ، فإنّ هذه الوجوه تلخّص فضائل الأبواب السّابقة الّتي ببلوغها يتمثّل الإنسان صورة الخالق بعد أن جلّى نفسه بالرّياضة ، ودهن صفحتها بالتزام وجوه المحاسبة الثّلاثين ، فينال ما ينال حسب صفاء جوهر هذه النّفس ، وقبولها لأنوار اليقين الواردة عليها من اللّه .
والزّهد أحد وجوه المحاسبة وهو الباب التّاسع .
والزهد اسم تحته معان « والاسم عنوان منشور والمعنى سرّ مستور » ، فإذا فكّت طينته وحلّ طابعه ، ظهر سرّ معناه واتّضح مغزاه . وحدّه بالكلام المطلق ، قمع شهوة النّفس ، والصّبر
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 693
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٣