والتّكبّر والزّهو واحتقار النّاس ، والاستخفاف بالأنبياء وكلام اللّه الوارد على ألسنتهم ، والبغضة في الخير وأهله ، والأنس بالأشرار ، والحسد والبغي ، وحبّ الشرّ ، والبلاء في النّاس ، والتّسخط على قضاء اللّه . وأمّا فرائض الجوارح المنهيّ عنها ، فمثل الشّرك علانيّة ، والإيمان الكاذب ، وإفشاء الكذب ، والنّميمة بين النّاس ، وأكل ما حرّم اللّه ، وغشيان النّساء المنهي عنهنّ ، وسفك الدّماء .
والمباح ينقسم ثلاثة أقسام : القصد فيما هو ضروري للإنسان ، وتدبير حاله ، مثل القوت والكلام . والسّرف ، وهو تجاوز الحدّ إلى الفضول في مثل ما سبق . والتّقصير ، وهو ما لم ينته به الإنسان إلى حدّ القصد فيه مثل ما ذكر .
وهنا تعرّض بحي إلى طبقات العلماء اليهود ، ومذاهب أهل الشّريعة في اعتقادهم ، ليصل إلى التّنبيه المعتمد على العقل . فعقد حوارا بين هذا الأخير والنّفس بيّن فيه مساوئ هذه .
وهي : حبّ اللّذّات الجسميّة ، وحبّ الرّياسة .
وذكر أنّ نجاة النّفس لا تتحقّق إلّا بالموازنة بين الفضيلة الّتي تحصل عند الفراق ، والرّذيلة الّتي تخصّها عند دوام ألفة الجسم . والتّوازن يكون بمداواة النّفس من مفسدات الطّاعة .
وأخطر هذه المفسدات هي مسألة الجبر والاختيار ، إذ جاء في الكتاب ما دلّ على الاثنين ، وكذا اختلف العلماء في أمر هذه المسألة العويصة ، فمنهم من قال بالاختيار ، ومنهم من قال بالجبر ، ومنهم من قال بالاثنين . ولعلّ بحي أقرب إلى هذا المذهب الأخير لسرّ أراده اللّه [ ص 163 - 164 ] .
وبعده تحدّث بحي عن سرّ بقاء النّفس في هذه الدّنيا ، وأنّها خلقت من لا شيء ، وأنّ الجسم عالم صغير استقرّت به ، ورأت من نوافذ حواسّه ، وتدبّرت بقوّاده الأربعة الذّين هم : الدّماغ ، والقلب ، والكبد ، والأنثيان .
واستعانت بجنوده الّتي هي القوّة الجاذبة ، والقوّة الماسكة ، والقوّة الهاضمة ، والقوّة الدّافعة . واحتكمت إلى وزيريه اللّذين هما العقل والهوى ، ممّا يكسبها أخلاقها الخيّرة أو السيّئة . ومن هذه الأخلاق : الفرح والحزن ، الرّجاء والخوف ، الشّجاعة والجبن ، الحياء والقحة ، الرّضا والغضب ، الرّحمة والقساوة ، الخشوع والشّموخ ، المحبّة والبغضة ، السّخاء والبخل ، الكسل والنّشاط .
والطّاعة للّه توجب التّوكّل عليه ، وهو الباب الرّابع . وفي التّوكّل جزيل المنافع في الدّين والدّنيا . فمن منافعه في الدّين سكون النّفس والاعتماد على الخالق ، وإخراج حقوق اللّه من مال اللّه لمن كان له مال ، والقناعة لمن افتقده ، ولم يكن له أصلا . ومن منافع التّوكّل على اللّه في الدّنيا ، سكون القلب من هموم الدّنيا ، والرّاحة من اضطراب النّفس وقلقها ، وراحة الأبدان من الأسفار الطّويلة ، وراحة البدن والنّفس من المشاق والصّناعات المتعبة ، وترك التزام خدمة الملوك في رسومهم وظلم رعيّتهم ، وقلّة قلق النّفس بالتّجارة ، والسّرور بكلّ حال .
وللتّوكّل مقدّمات بها يصحّ ، وهي أوّلا : أنّ اللّه أرحم بعباده ، وأنّه لا يجهل وجوه مصالحهم ، وأنّه أقوى الأقوياء ، وأنّ البشر لا ينفع نفسه ولا غيره ولا يضرّهما ، وأنّ اللّه أنعم على العباد دون حاجة إلى شيء ، وأنّ
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 691
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩١