على الشّيء المزهود فيه عند القدرة عليه ، والتّمكّن منه لعلّة توجب ذلك [ ص 354 - 355 ] . والغرض منه للإنسان ولسائر الحيوان إصلاح الأجسام ، وانتظام الأحوال ، مثل سياسة الملوك ، وتدبير المدن ، وسياسة الأطبّاء للأصحّاء والمرضى . وهذا زهد عام ، أمّا الزّهد الخاصّ ، وهو الّذي حرصت عليه الشّرائع ، فهو صلاح النّفوس في الدّار الآخرة . والزّهد خلق تعتدل به النّفس ، فتمتنع « عن كلّ راحة ولذّة جسمانيّة ، إلّا الطّبع الّذي لا بدّ منه [ ص 357 ] . ووجود زهّاد في الأمّة ضرورة شرعيّة ، حتّى يبرئوا سقمها .
وعلى هؤلاء أن يشاركوا الأمّة في الحضر ، ويعايشوا الخلق بقلوب زهدت في الدّنيا ، ليسهموا بالبناء وعمارة الأرض ، لدوام النّسل والحرث .
وصفات الزّاهد : « بشره في وجهه ، وحزنه في قلبه . أوسع شيء صدرا ، وأذلّ شيء نفسا .
لا حقود ولا حسود . ولا عيّاب ولا مغتاب .
يكره الرّفعة ويشنأ السّمعة . وقور ذكور صبور شكور . كثير الحياء . قليل الأذى . إن ضحك لم يخرق ، وإن غضب لم ينزق . ضحكه تبسّم . واستفهامه تعلّم . كثير علمه ، عظيم حلمه . وثيق عزمه » [ ص 363 ] . ومن الزّهد ما هو لكلّ النّاس ، ومنه ما هو تابع لما جاء في أوامر التّوراة . وقد خصّ اللّه به بني إسرائيل دون غيرهم . وجاءت أحواله في الكتاب والتلمود . والجوارح أدوات الزّهد ، بها يحسن وبها يسوء . وأحوال بني إسرائيل في تاريخهم وتقلّباتهم شاهد على ذلك .
ومن الزّهد صدق المحبّة للّه وهي الباب العاشر .
والمحبّة « غاية المراتب ، ونهاية المنازل ، في درجات أهل الطّاعة للّه » [ ص 378 ] وأوّل أبوابها الخوف من اللّه ، والحنين إليه . إذ هي « انقطاع النّفس ونزاعها بذاتها إلى اللّه ، لتتّصل بنوره الأعلى . وذلك أنّ النّفس جوهر بسيط روحاني تنزع إلى شاكلتها من الأشخاص الرّوحانيّة ، ونافر بطبعها من يخالفها من الأجسام الكثيفة » [ ص 379 ] .
وتكون المحبّة من أجل الإحسان ، ومن أجل التّجاوز عن السيّئات . وأرفعها المحبّة إجلالا لا رهبة ولا رغبة . وتكون كليّة بالنّفس ، والجسم ، والمال في الظّاهر والباطن .
ومقدّمات هذا محبّة إخلاص التّوحيد ، وإخلاص العمل ، والتّواضع للّه ولأوليائه ، ومحاسبة النّفس على نعم اللّه ، وعلى ستر الذّنوب والإمهال فيها ، والاعتبار بالسّالف ، والاعتبار بما يشاهد في مخلوقات اللّه .
وأصدق محبّة فيه ، هي الجود بكلّ موجود .
وتكون بعون من اللّه ، ولا يفسدها إلّا ما يناقض مقدّماتها . ودليلها الانشغال باللّه أوامر ونواهي ، وعبادات وتدبّرا وحمدا ، « والخلوة بذكره جلّ وعزّ . والأنس به عند خلاء كلّ حبيب بحبيبه ، وانفراد كلّ محبوب بمحبوبه » [ ص 390 ] . وغاية المحبّين في اللّه أن تصبح « قلوبهم سماويّة روحانيّة في أبدان دنيويّة » .
وخلاصة الكتاب أن يجعل الإنسان العقل أميرا ، والحلم وزيرا ، والعلم دليلا ، والزّهد خليلا . وأن يترفّق ويتأنّى في اكتساب الفضائل حسب احتمال الحال ، وأن يحذر الإفراط والسّرف بغير تدريج [ ص 395 ] .
قصدنا الإطالة في تقديم كتاب الهداية ، لأسباب منها أنّ مؤلّفه يعتذر عن قلّة زاده في
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 694
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٤