العربيّة وجهله بفصيحها ونحوها ، مع أنّه لم يخرج عن نهجها القويم إلّا نادرا ، فأحببنا أن يكون تتّبعنا لأسلوبه والحفاظ عليه ما أمكن ، دليلا على انتشار العربيّة واستعمالها الاستعمال الحسن لدى طوائف الأندلس في هذا الوقت المبكّر نسبيّا من تاريخ فكرهم .
ومنها أيضا أنّنا أحببنا أن نركّز على مدى قوّة آثار الإرث العربي الإسلامي في أوائل المؤلّفات اليهوديّة بالأندلس ، لنبيّن مدى تغلغل المؤلّفات الشّرقيّة في بوادر الفكر اليهودي في الأندلس تغلغلا يدعو إلى إعادة النّظر في تاريخ العلوم الوافدة من المشرق على المغرب .
كما أردنا من هذا العرض المفصّل أن نبيّن النّهج الّذي نهجه العلماء اليهود في التّعامل مع الموروث الدّيني الإسلامي ، واستعماله مكوّنا عضويّا في تراثهم الدّيني ، بعد أن حذفوا منه أسماء أصحابه وعناوين مصادره ، ليكون لهم حجّة على صدق ما بين أيديهم هم . وهذا نهج تمسّك به فيما بعد مؤلّفوهم وتراجمتهم ، وكان لهذه العمليّة في تاريخ الفكر أثرها العميق والمعقّد ، ممّا لم يكشف عنه حتّى الآن . وكيف ما كان الحال ، كيف تعامل بحي مع هذا الإرث الإسلامي ؟ أو بالأحرى ما هو منهجه ؟ وما هي مصادره في مؤلفّه الهداية إلى فرائض القلوب ؟
نهج بحي نهج الخطاب المباشر ، فحديثه مع طالب مريد يريد أن يوضّح له السّبيل القويم في الحياة ، فزوّده بزاد تعدّدت مشاربه ومصادره ، وكان يخاطبه ب « يا أخي » ، وقد يكون هذا المريد هو كلّ قارئ للكتاب في الطّائفة . وهذا هو نفس المنهج الوارد في كتاب إحياء العلوم وعجائب المخلوقات ، وفي بعض كتب الغزالي الأخرى . وهو النّهج الّذي استعمله كثير من علماء الإسلام مثل ابن طفيل ، وابن رشد ، وغيرهما ، كما هو معروف . وكما اعتمد هؤلاء المثل للتّبيان والحجّة اعتمده بحي أيضا .
وإذا كانت التّوراة ، والتّلمود ، و « المدرشيم » ، وأقوال بعض الأعلام اليهود ، مثل سعديه كؤون ، شواهد دالّة على ما يريد ، فإنّها في واقع الأمر تظهر وكأنّها زائدة ، إذ يمكن أن تسلب من الكتاب دون أن تخلق خللا في بنيته وتركيبه ، فيصبح الكتاب بمحتواه جزءا مكوّنا لتلك المؤلّفات العربيّة الإسلاميّة الّتي نهجت نهجه إذ ذاك . فعنوان الكتاب نفسه « الهداية إلى فرائض القلوب » ، ينبئ عن أثر مذهب الاعتزال الّذي يضع فرائض القلوب في مقابل فرائض الأعضاء . ونظريّة النّفس الّتي هي فيض في جسم غريب ، تنتظر العودة إلى أصلها وموضعها - وهي محور الكتاب ، أو من أهمّ محاوره - تظهر الصّيغة الأفلاطونيّة المحدثة الّتي نشرها إخوان الصّفاء ، وقد وصلت رسائلهم الأندلس قبل تأليف بحي بن بقودا كتابه « الهداية » بسنين قليلة . وإذا كان لباب الكتب الإسلاميّة الّتي قصدت تهذيب النّفس وسنّ طريق السّعادة الأبديّة ، هو القرآن والحديث النّبوي ، فإنّ بحي في كتابه استثنى القرآن ، ولكنّه أورد الكثير من الأحاديث النّبويّة إمّا معنى وإمّا نصّا ، بعد أن حذف ذكر اسم النّبيّ وعوّضه بقال أحد الفضلاء ، أو قال آخر ، أو قال بعض الصّالحين .
كما أنّ بحي أتى بكثير من أقوال الخلفاء الرّاشدين مثل أبي بكر ، وعمر بن الخطّاب ، وعلي ، وكذا عمر بن عبد العزيز ، أو بعض الصّحابة وأعلام الإسلام ومتصوّفتهم دون ذكر
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 695
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٥