الكلّ مكوّن في العالم من جوهر وعرض لا يزيد ولا ينقص على ما قدّره الخالق كمّا وكيفا وزمانا . ثانيا : أنّ اللّه مطّلع على البشر لا يخفي منهم عنه شيء . ثالثا : إفراد التّوكّل للّه . رابعا : وجوب القيام بما يلزمه اللّه من طاعة وعمل ، والابتعاد عمّا ينهى عنه .
خامسا : اعتماده أنّ تمام الأمور الحادثة في هذا العالم بعد الخليفة ، يقع بإقدار الخالق ومشيئته للخروج من العدم إلى الكون ، وبوضعه أسباب ووسائط منها القريب ومنها البعيد ، ومنها الظّاهر ومنها الباطن ، لإتمام ما قدّر كونه .
ويتوكّل الإنسان على اللّه في أمور جسمه خاصّة ، وأمور كسبه وأسباب رزقه ، وأمور عياله وبنيه وقرابته وأوليائه وأعدائه ، وفرائض القلوب والجوارح المخصوص به نفعها وضرّها ، وفرائض الجوارح الّتي يتعدّى نفعها وضرّها إلى غيره ، وثواب الآخرة الّذي يكون بحبّ العمل في الدّنيا ، وثواب الآخرة الّذي يكون من اللّه على وجه التّفضيل على خاصّته وأوليائه .
ومن مفسدات التّوكّل ما سبق ذكره من المفسدات بإضافة الجهل باللّه ، وبصفاته الحسنى ، والجهل بشريعته الّتي هي الحثّ على السّكون إليه والتّوكّل عليه ، وميله إلى الأسباب القريبة الّتي يباشرها . وختاما فإنّ التّوكّل عشر درجات حفظها الكتاب في ألفاظ عشر عبرانيّة ذكرت في أماكنها .
والتّوكّل يوجب الإخلاص في العمل للّه وهو الباب الخامس . والإخلاص هو القصد بالظّاهر والباطن في العمل بطاعة اللّه . ويكون في إخلاص التّوحيد ، واعتبار نعم اللّه ، والتزام الطّاعة ، وإفراد اللّه بالتّوكّل ، والإيمان بأنّ الضرّ والنّفع لا يأتي إلّا بإذن الخالق ، واستواء المدح والذمّ من النّاس ، وترك التّزيين للنّاس ، وإخلاء البال والقلب من الدّنيا عند عمل الآخرة ، ومراقبة اللّه ، والحياء منه ، ومشورة العقل في كلّ ما يوسوس به الهوى ، إذ الهوى يفسد الاعتقاد ويشكّك في النّفس ، والخلق ، والنّبوّة ، وصحّة المنقول ، والثّواب ، والعقاب في الدّنيا والآخرة ، ويحبّب الملاذ ومنافسة ذوي السلطان . وإذا عجز عن إغواء الإنسان بهذه مال إلى الخداع ، واعتمد المدح والثّناء ، ممّا يوصل إلى العجب والرّياء . فإذا عجز ، مال إلى شغل الإنسان بالدّنيا ومالها ، ثمّ نازع الإنسان في أمور العقاب والثّواب ، والجبر والعدل ، وتأجيل الطّاعة ، والتّقليل من شأن النّاس ، واغتنام الفرص ، والتّعاظم بالعلم ، ومقت من أحبّه اللّه . وخلاصة الباب ، مراقبة الوهم ، والفكر ، والوسواس ، إذ أكثر الفساد والصّلاح لا يكون إلّا من جهاتها بحسب صلاحها وفسادها .
ويبدأ الجزء الثّاني من الكتاب بالباب السّادس ، وهو التّواضع للّه . والتّواضع هو خشوع النّفس وخضوعها وصغر قدرها .
وأقسامه ثلاثة : أوّلها خمول النّفس ، وصبرها على الضرّ ، ويكون ذلك بعد ارتفاع الهمّة والأنفة . وثانيها التّواضع للنّاس . وثالثها التّواضع للّه . وهو الدرجة العليا في التّواضع . والتّواضع أوّل الواجبات . وجميع الفرائض والفضائل تالية له ، فإنّه رأس وابتداء . ولا يمتنع إن يجتمع عجب الإنسان بفضائله الرّوحانيّة ، مثل العلم والعمل الصّالح ، وحسن الطّاعة شكرا بعظيم نعمة اللّه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 692
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٢