وفصّله تفصيلا بيّنا ، وجعله مشيرا إليه ، ودليلا عليه ، كما تدلّ الصّنعة على الصّانع ، والدّار على الباني الّذي بناها » [ ص 100 ] .
وأعظم مخلوقات اللّه وأوجبها اعتبارا الإنسان ، فهو العالم الصّغير . وعليه يلزم النّظر في نشأته وتأليفه ، وأجزائه وتركيب أعضائه ، ومنفعته بكلّ واحد منها ، والضّرورة الدّاعية إلى وضعه وتشكيله على ما هو عليه ، ثمّ النّظر في مصالحه في كلّ خلق من أخلاقه ، وقوى نفسه ، ونور عقله ، وجواهره وأعراضه ، وآماله وانتهاء أمره . والوقوف على سرّ الإنسان هو الوقوف على سرّ العالم .
والوقوف عند عضو من أعضائه وقوف عند مكوّنات العالم المختلفة المؤتلفة ، المتضادّة المتكاملة . وخلاصة الباب ، أنّ آثار المخلوقات الدّالّة على وجود اللّه ، مرتبطة بوجود منفعة الإنسان واتّساق الكون . وهذا الاتّساق يدرك بالعقل ، وإن كان كلّ فعل من الإنسان بتدبير من اللّه إلّا ما فوّض اللّه أمره إلى الإنسان من طاعة ومعصية ، بيّنتها الشّرائع الموحى بها ، الّتي هي نفسها نعمة من النّعم ، مثلها كمثل العقل ، والعناية الظّاهرة في الملك ، والاتّجار والتّدبير .
ومفسدات الاعتبار هي نفس مفسدات التّوحيد ، غير أنّ الاعتبار يوجب توابع .
أهمّها تحصيل نعم الإله ، والتزام الطّاعة بسببها ، وترديد آثار حكمته في النّفس والتّفكير فيها والبحث عنها ، في كلّ ما يرد من المحسوسات والمعقولات ، ما سلف منها وما تجدّد .
ووجوب التزام الطّاعة هو موضوع الباب الثّالث .
يبدأ بحي بتبيان تعامل النّاس فيما بينهم ، وما يوجبه هذا التّعامل من أخلاق جعلت الإنسان أعلى من كلّ المخلوقات . وإن كان أضعف جسما وأقلّ قوّة من الحيوان . ثمّ بيّن أنّ الطّاعة واجبة عقلا ونقلا ، وجب التّنبيه عليها بالشّرع للحدّ من زيغ الشّهوة ، ولحماية العقل الغريب في جسم تغذية اللذّات . فالشّرع جامع للفرائض العقليّة والسّمعيّة الّتي يرقى منها إلى الطّاعة الّتي تلزم الإنسان من وجهة الاستدلال العقلي الّتي هي غاية الغرض المقصود به خلق النّوع الإنساني في هذه الدّار [ ص 132 ] . والشّرع يؤدّي إلى الاعتدال فلا يصبح الإنسان عبدا لشهوته ، ولا يهمل في نفس الوقت حاله طلبا لكمال التّدبير وحفظ النّوع . كما أنّه يقود العقل عند الخاصّة ، وينوب عنه لدى العامّة . ولذلك وضع الشّارع الشّرع على قطبي الرّهبة والرّغبة ، وجعله ثلاثة أقسام : أمرا ونهيا ومباحا . والأمر قسمان :
« فرائض القلوب ، وهو ما صحّ بالاعتقاد مثل التّوحيد ، والإخلاص والتّوكّل عليه ، والاستسلام إليه ، والرّضا بقضائه ، والإيمان بأنبيائه ، والتّحقّق بالشّريعة ، والخوف من اللّه ، والحفظ للشّرائع ، والتّفكير في عجائبه والاعتبار لنعمه » [ ص 40 ] . وفرائض القلوب والجوارح معا مثل توحيد اللّسان مع القلب ، وتلاوة الكتاب والتّعلّم ، والصلاة والصّيام ، والصّدقة والسّكون عن الأعمال في أيّام السّبوت والأعياد .
والنهي أيضا قسمان : فرائض القلوب ، وفرائض الجوارح . أمّا فرائض الجوارح المنهي عنها ، فمثل الشّرك سرّا ، والرّياء ، وحبّ فعل ما نهي عن فعله ، وهو العجب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 690
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٩٠