على قوانين المنطق ، والعلم الرّياضي » [ ص 26 ] إلّا الباب الأوّل . وكان معتمده في كتابه الأمور المعقولة الّتي قرّبها « بالمثالات القريبة الّتي لا شكّ في صحّتها وصدقها وبالمكتوبات الواردة في كتب الأنبياء والأولياء » ، فآثار الأوائل - يعني من أهل الملّة اليهوديّة - والأفاضل والحكماء من كلّ طبقة ، مثل نوادر الفلاسفة ، وآداب أهل الزّهد في الدّنيا ، وسيرهم المحمودة ل « سكون النّفوس إليها وإصغاء القلوب إلى عملها » [ ص 26 ] .
وجميع فرائض القلوب وآداب النّفوس داخلة في طيّ هذه الأصول العشرة الّتي تضمّنها الكتاب أمرا ونهيا [ ص 36 ] .
ويختم بحي مقدّمته بخلاصة هي أنّ ذا الفهم الجيّد يستنبط من كتاب اللّه ثلاثة أجزاء :
أحدها معرفة المعاني اللّطيفة الرّوحانيّة الّتي هي علم الباطن ، مثل علم فرائض القلوب وآداب النّفوس . وثانيها علم فرائض الجوارح ، مثل الصّلوات والأعياد في زمانها ومكانها . والجزء الثّالث علم التّواريخ ، ومعرفة طبقات النّاس ، وتناسلهم على رتبة الأجيال السّالفة ، وما جرى من القصص والأخبار في عهد الماضين . ويعرف كلّ شيء ، من ذلك في زمانه ومكانه اللّائق به ، حسب الحاجة إلى ذلك ، ويستعين على تصرّفه في كلّ واحد منها بالعلم الرّياضي ، وبعلم البرهان ، وبعلم الاستدلال المنطقي . إذ منها تكون المقدّمات للعلم الإلهي ، ومن جهلها جهل آثار حكمة الخالق تعالى في مخلوقاته ، وجهل أمور جسمه فضلا عن سواه [ ص 32 ] .
وتناول المؤلّف في الباب الأوّل وجوه إخلاص « توحيد الخالق . والتّوحيد هو أصل الدين وأسّه ، وبه ينفصل الإيمان عن الشّرك . وهو رأس حقيقة الدّين ، ومن زاغ عنه لم يصحّ له عمل ولا يثبت له إيمان » .
وهذا هو معنى الشّهادة .
وطرق التّوحيد أربعة : باللّسان ، وبالقلب ، واللّسان عن تقليد ، وبالقلب واللّسان بعد الاستدلال بطريقة النّظر ، بغير علم بمعنى الواحد الحقّ . والرّابعة وهي أفضلها ، هي توحيده بالقلب واللّسان بعد الاستدلال عليه والوقوف على حقيقة وحدانيّته بطرق النّظر واستعمال القياس العقلي . ويبدأ النّظر في وحدانيّة اللّه بالنّظر في خلق العالم ومن ثمّ الاستدلال على وحدانيّته . ولهذا مقدّمات ثلاثة : أوّلها أنّ الشّيء لا يصنع نفسه ، وثانيها أنّ المبادئ متناهية العدد ، لها أوّل لا أوّل قبله . والثّالثة أنّ كلّ مؤلّف محدث ، والعالم مؤلّف من عناصر أربعة في نظام وترتيب لا يحدث عن صدفة ، وعليه فالعالم مخلوق وخالقه واحد ، صحّت وحدانيّته بسبعة وجوه ، وهي :
1 - من جهة اعتبار علل الموجودات ، فهي أقلّ عددا من معلولاتها « وكلّما بحثنا عن علل تلك العلل صاعدا وجدناها أقلّ عددا أيضا منها ، وكلّما صعدت قلّت في العدد إلى أن تنتهي إلى علّة واحدة هي علّة العلل » [ ص 50 ] .
2 - من جهة أثر الحكمة الظّاهرة في جميع هذا العالم أعلاه وأسفله ، ونباته وحيوانه .
3 - من قبل الحدوث العالم لجملة العالم ، فإنّ الدّلائل دلّت على حدوث العالم ، ووجب عن ذلك أن يكون له محدث لامتناع تكون الشّيء من قبل نفسه .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 688
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٨٨