وصدقه . ولم يكن يقصد محاجّة الأديان الأخرى ، بقدر ما كان يقصد عرض حقائق ما كان يعتقده هو وما كان يزخر به تراث من ينتسب إليهم .
قسّم المؤلّف كتابه إلى عشرة أبواب ، مسبوقة بمقدّمة ، وقسّم كلّ باب إلى عدّة فصول تختلف عددا وطولا وقصرا .
ابتدأ المقدّمة ب : « قال المؤلّف : تبارك اللّه إله إسرائيل ، الحقيق بمعنى الواحد الحقّ ، الأزلي الوجود الدّائم الجود ، الّذي أبدع الموجودات للدّلالة على وحدانيّة ، واخترع المخلوقات للشّهادة على قدرته ، وابتدأ المحدثات للتّنبيه على حكمته وعموم نعمته » [ ص 3 ] . ثمّ بيّن أنّ العلم فضل من اللّه على الإنسان ، وأنّه ثلاثة أقسام : علم طبيعي ، وهو علم طبائع الأجسام وأعراضها . وعلم رياضي ، وهو علم العدد ، وعلم الهندسة ، وعلم النّجوم ، وعلم تأليف اللّحون ، وهو الموسيقي . وعلم إلهي ، وهو العلم باللّه وكتابه وسائر المعقولات كالنّفس ، والعقل ، والأشخاص الرّوحانيّة . والعلم الأخير أرفع العلوم وأعظمها . وفتح اللّه على الإنسان لفهمه ثلاثة أبواب هي العقول السّليمة ، وكتاب اللّه ، والآثار المنقولة عن ألسنة الأوائل عن الأنبياء .
وعلم الدّين نفسه ينقسم إلى قسمين : علم بفرائض الجوارح ، وهو علم الظّاهر . وعلم بفرائض القلوب ، وهي الضّمائر ، وهو علم الباطن . فعلم الباطن يتضمّن الاعتقاد بأنّ للعالم خالقا ابتدأه من لا شيء ثمّ إخلاص التّوحيد لهذا الخالق ، وأنّه ليس كمثله شيء .
ثمّ الالتزام بالطّاعة له ، فالاستدلال عليه بمخلوقاته فالتّوكّل ثمّ التّواضع والخشوع ، فالخوف منه والمراقبة له والحياء من اطلاعه على الظّاهر والضّمير . ثمّ التّشوّق إلى رضاه ، والإخلاص في العمل لوجهه . ثمّ المحبّة في ذوي محبّته ، تقرّبا إليه ، والبغضة في باغضيه وما أشبه ذلك ممّا لا ظهور له على الجّوارح .
وهذه هي الأبواب العشرة الّتي يتكوّن منها موضوع الكتاب .
وقد تصفّح بحي كتب الأوائل فوجدها جميعا لا تتناول إلّا علم الظّاهر ، وكلّها يدور حول الشّرائع دون الانشغال بعلم الباطن ف : « علم فرائض القلوب مهملا غير مضبوط في كتاب يحوي أصوله ، وسدى غير مزموم في تأليف يحيط بفصوله » [ ص 8 ] . فبحث في كتاب اللّه وأقوال أنبيائه عن علم الباطن ، فوجده منبثتا فيها ، مكنوزا في بطونها ، وتأمّل « سير النّاس في أكثر الأعصار الموصوفة في الكتب » فوجدها بعيدة عن هذا الصّنف من الفرائض غير الخواص من النّاس ، في حين عري منها العوام ، وهم في أشدّ الحاجة إلى التّنبيه عليها والإرشاد إليها . وعليه فهذا العلم ضرورة ، إذ هو نور القلوب وضياء النّفوس ، وهو فريضة على كلّ قادر عقلا وجسما ، لأنّ القصد من موضوعه الّذي هو فرائض القلوب هو « موازنة الظّاهر والباطن وتعادلهما في الطّاعة للّه ، حتّى تستوي شهادة القلب واللّسان والجوارح بالعبوديّة للّه ، ويصدق كلّ واحد منها صاحبه ويشهد له بذلك ولا يخالفه ولا يناقضه . . . » [ ص 20 ] .
ولمّا كان همّ المؤلّف أن يكون كتابه سهل المنال حتّى ينهض بما أراد النّهوض به ، فإنّه تحفّظ فيه من استعمال « الدّلائل الّتي تجري
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 687
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٨٧