أناجيّ قد عدّ اللئام فلا أرى * من الناس أدنى من أبيك وأوضعا
وقوله « موقّعا » أي : موقّع به آثار الدّبر .
[ النقائض ، 1 / 181 ] .
وأما هجاؤه لجرير ، فقد مثّلنا له بعدد من الشواهد الشعرية ، ونحن نتحدث عن مسيرته الشعرية وعلاقاته بشعراء عصره ، وخاصة الأبيات السبعة الأخيرة من لاميّته التي هجا فيها جريرا ومطلعها الطللي :
أهاج عليك الشوق أطلال دمنة * بناصفة الجوّين أو جانب الهجل
وقد مثلت على ذلك في مقطع سابق . . . .
ومن أهاجيه في جرير أيضا قصيدة ميميّة ، من ستة عشر بيتا استهلّها بوقفة طلليّة ليقول له بما يشبه الجرح الذي لا يندمل :
لقى حملته أمّه وهي ضيفة * فجاءت بنزّ للنّزالة أرشما
مدامن جوعات كأنّ عروقه * مسارب حيّات تشرّبن سمسما
اللّقى : الملقى المهان . يقول إنّ أمّه حملته وهي ضيفة لقوم فجروا بها . . . . والمدامن :
المتابع الذي لا يزال يجوع . يقول : كأنّ عروقه من هزاله وجوعه ، مثل آثار حيّات غلاظ تشرّبن دهن سمسم ( إذ ورد « سمسما » بكسر السينين ) ويقال : أخذ بعضها من بعض السّمّ . . . . [ النقائض ، 1 / 44 ]
وهناك مقاطع هجاء أخرى ، بالغ البعيث فيها في تجريح جرير وأمّه ، أورد منها ياقوت الحموي ثلاثة مقاطع تضمنت أحد عشر بيتا ، بينها البيتان الآتيان :
ألست كليبا ثمّ أمّك كلبة * لها بين أطناب البيوت هرير
ولو عند غسّان السليطيّ عرّست * رغا قرن منها وكأس عقير
الأطناب ، ج طنب : الحبل يشدّ به الوتد وخلافه . الهرير : صوت الكلب . عرّست :
نزلت . وكأس عقير : رغا بعير إلى بعير بدافع الشبق . . . . [ معجم الأدباء ، 11 / 53 - 55 ]
نادرة هي قصائد الغزل في شعر البعيث ، مما تسنّى لنا قراءته والاطّلاع عليه . وأكثر أشعار النسيب مبثوثة في فواتح معظم قصائد المدح والهجاء ؛ وفيها حنينه إلى الحبيبة التي يدعوها « ليلى » وتارة « الخنساء » وثالثة : « أسماء » . . .
ولا ندري هل هي أسماء حقيقية أم تقليدية نحا فيها نحو شعراء المديح والغزل القدامى . . .
ومن أبرز ما قاله في هذا الباب ، قصيدة عينيّة ، لا ندري ما إذا كانت مستقلّة في غرض الغزل أم هي مقدمة لغرض آخر مديح أو هجاء . . . ومطلعها :
أزارتك ليل والنجوم خواضع * وقد بهر الليل النجوم الطوالع
ومنها قوله يحنّ إلى أيام الحب وما آلت إليه فيما بعد من بخل في الوصال وندرة في اللقاء :
تبكّي على إثر الشباب الذي مضى * ألا إنّ أخدان الشباب الرعارع