حمر الوحش أو كما سمّاهم هو : « الأعيار » ألا وهم : الفرزدق وجرير ، والأشهب وزبّاب ابنا رميلة ( توفي الأشهب بعد سنة 86 ه / 705 م ) ، ورميلة : أمّه . . .
ويذكر في هذا الصدد أنه اجتمع على باب الوليد بن عبد الملك : الفرزدق وجرير والبعيث والأشهب بن رميلة ، فأمر أن يدخل عليه الشعراء ، باستثناء البعيث الذي أخّره عليهم . قلما دخل عليه قال : « يا أمير المؤمنين ، إنّ من حضرك ظنّوا أنك إنما قدّمتهم عليّ لفضل وجدته عندهم لم تجده عندي . قال : أولست تعلم أنهم أشعر منك ؟
قال : كلا ، والله ؛ ولأنشدنّك من أشعارهم ما لو هجاهم أعدى الناس لهم ، ما بلغ منهم ما بلغوا من أنفسهم . . . » .
ثم أخذ يسرد عليه بعض أشعارهم ، الواحد تلو الآخر ، منتقيا من شعرهم ما يعيبهم ، ويرفع من قدره ، فقال له الوليد : « لعمري ؛ لقد عبت معيبا » .
ثم استنشده وأحسن جائزته » [ الموشح للمرزباني ، ص 263 - 260 ] .
وكان للبعيث أسرة وأولاد ، منهم مالك وبكر . خرجا مع أبيهما إلى المدينة ، فأرسلهما يرعيان عليه الإبل ، فمرض مالك ، فأرسل بكرا إلى أبيه ليقدم عليه ، فقدم ، فوجده قد مات ، فقال ، من قصيدة حكمية مؤثرة :
أرسل بكرا ، مالك يستحثّنا * يحاذر من ريب المنون فلم يئل
أمالك مهما يقضه الله تلقه * وإن حان ريث من رفيقك أو عجل
وجاء : « وما وأل » أي لم يعد . . . وجاء أيضا : « ما يقدر الله . . . وإن حمّ . . . » .
[ الشعر والشعراء ، 2 / 55 ؛ لسان العرب ( شمل ) ، 370 ] .
آثاره
لا نعرف حجم الشعر الذي تركه البعيث ، إذ لم نعثر على ديوانه ، ولا علم لنا بأن أحدا قد حققه وجمعه . فعوّلنا على مصدرين اثنين رئيسين هما : « لسان العرب » ، و « كتاب النقائض » ، وبعض المصنفات وكتب التراجم ، سمحت لنا باطلاع بيّن على الأغراض الشعرية التي نظم لأجلها معظم شعره ، وصاغ مقاصده وأفكاره ؛ فتبيّن لنا أنه طرق معظم أبواب الشعر السائدة في عصره ، وهي :
الوصف والهجاء والمديح والغزل ، إضافة إلى أغراض أخرى ثانوية في القضاء والقدر ورحيل الأحبة والوقوف على الأطلال ، مما نبسط الكلام فيه في السطور الآتية . . .
اشتملت أشعار البعيث على أوصاف كثيرة ، تفوق ما قاله في أغراض أخرى ، وربما يعود السبب إلى أن الوصف غرض شعري عام في معظم الأغراض الشعرية ، سواء أكان مديحا أم هجاء أم غزلا ونسيبا أم رثاء وما شابه .
والأرجح أنه لم يكتب شعرا وصفيا لذاته .
فإذا به يصف أشياء مختلفة : إنسانية بشرية ، وحيوانية ، وطبيعية كما يقف بعض الشيء أمام الزمن والمشاعر الإنسانية ، وأمور أخرى مرتبطة بالإنسان أو الحيوان ، أو بكليهما معا . . . سبيله في ذلك التشبيه والتخيل والردّ الشعري المباشر ، كوصف الأسنان في الفم وتشبيهها بالأقحوان والسحائب والأمطار ، كما يفيدنا البيت الآتي :