جرير عورات نسائك ، فلحيت شاعر قوم .
فأغضبنه ، ففضّ قيده ، فأنشأ قصيدة لاميّة قوامها ستة وعشرون بيتا علّل فيها أسباب قيده ، وبيّن قدراته ومزاياه ، متعرّضا لجرير في بضعة أبيات ، ثم عاد إلى شيمه الخلقية الرفيعة وسيرة قومه وشخصه ، في أبيات جمعت الفخر بفرعيه الذاتي والقومي ، إلى الهجاء والتعريض ، فيجيبه البعيث في قصيدة لامية مماثلة ، قوامها ثمانية وأربعون بيتا معظمها في المدح الذاتي ، والقبلي ، وبضعة أبيات في نهايتها ، نال فيها من جرير شر نيل ، ونعته هو وقومه بأقبح النعوت ، من مثل قوله :
سواسية سود الوجوه كأنهم * ظرابيّ غربان بمجرودة محل
سواسية : مستوون في الشر . والظرابيّ : ج ظربان : دويبة منتنة الريح كثيرة الفسو .
والمجرودة : الأرض فيها جراد .
وكلّ كليبيّ صفيحة وجهه * أذلّ لأقدام الرجال من النعل
وكلّ كليبيّ يسوق أتانه * له حاجة من حيث تثفر بالحبل
أثفر الدابة : شدّها بالحبل من خلف . قصد الحاجة إلى فرجها المشدود بالحبل . . وهو أشد الهجاء وأوجعه .
وخلاصة الكلام في مسيرة العلاقة بين البعيث وجرير ، أن الهجاء قد لجّ بينهما ، طوال أربعين سنة ، لم يتغلّب واحد منهما على صاحبه ، ولم يتهاج شاعران في العرب في جاهلية ولا إسلام بمثل ما تهاجيا به . وكان الفرزدق يعين البعيث ، وهذا الأخير يعين غسّان السليطي على جرير .
وللحقيقة فإن حجم الشعر وحدّة الهجاء قد بلغا لدى جرير رتبة أعلى مما هي لدى البعيث والفرزدق . فقد « سقط البعيث » أمام جرير [ المؤتلف والمختلف / ص 71 ] « وقد غلبه جرير وأخمله » [ طبقات ابن سلّام ج - 2 / 535 ] .
وللحقيقة أيضا إنّ انتصار الفرزدق للبعيث ، لم يأخذ وتيرة واحدة . فكثيرا ما نشب الهجاء بين الشاعرين وإن لم يأخذ الحدة نفسها التي كانت بين البعيث وجرير . وها هو البعيث يهاجم الفرزدق بعد أن أدرك أن هذا الأخير كان يعبث بالاثنين . وأنه وضع نصب عينيه الانصراف كليا إلى جرير الذي كان يرى انتصاره عليه ، انتصارا على الاثنين ؛ فأحسّ البعيث بذلك ، فوجّه إلى الفرزدق سهامه ، قائلا :
أشاركتني في ثعلب قد أكلته * فلم يبق إلّا رأسه وأكارعه
فدونك خصييه وما ضمّت آسته * فإنك قمّام خبيث مراتعه
الأكارع ج كراع : من قوائم الدوابّ ، وهو أخبث ما فيها . والرأس لا خير فيه . يقول :
أكلت لحم جرير ، فلم يبق لك إلا أخبثه ؛ فجئت لدناءتك تشاركني فيما فرغت منه .
والقمّام : الكسّاح الذي يكنس القمامة وما تحويه من سقط الطعام الخبيث وأراذل الأشياء ، ولا يتوقى قذره . . . .
على هذا المنوال جرت حياة البعيث ، قلما عرف راحة أو مرحلة قرّت فيها نفسه بين شعراء عصره الذين وصف حركتهم الشعرية وكأنها ساحة قتال يتقاتلون فيها كما يتقاتل