يتبذّل أو يسفّ ، جامعا بذلك بين الوصف الحسّي الجمالي الذي اتصف به شعر الغزل الإباحي ، وصدق الإحساس والمعاناة لدى شعراء الحب العذري ، وهو ما يمكن اعتماده في معظم الشواهد الشعرية التي عبّر فيها عن لواعجه واحتراقه وهو يتحدث عن رحيل الأحبة ، وعهود الوصال ، وأشجان التلاقي والافتراق . . .
ومجدولة جدل العنان خريدة * لها شعر جعد ووجه مقسّم
وثغر نقيّ اللون عذب مذاقه * يضيء له الظلماء ساعة تبسم
وثديان كالحقّين ، والبطن ضامر * خميص ، وجهم ناره تتضرّم
( . . . ) أباكرها صهباء كالمسك ريحها * لها أرج في دنّها حين يرسم
[ الكامل في التاريخ ، 6 / 253 ] .
يؤكد هذا النص ، بتمامه ، أن البعيث لم يخلص لموضوعة الغزل - إذا كان الغرض كذلك - لأنه تحدّث عن فعال القائد الأموي وجهاده ومقاساته . . . ولا لموضوعة المدح - إذا كان الغرض كذلك - لأنه غلّب الغزل على المدح والإشادة .
المثال الثاني : هجاء لجرير ، في قصيدة طويلة نسبيا ( ثمانية وأربعون بيتا ) مقسّمة كما يلي :
1 - مطلع طللي جزل ، لم يخرج فيه عن سنّة السلف في تحديد الأماكن الدارسة وعوامل الطبيعة التي أسهمت في التغيير والبلى . . .
وكلام في الدّمن والعرصات ( أي ساحات اللهو الحالمة ) ووصف النوق وارتحالها بأصحابها . . . وقد استغرق ذلك تسعة أبيات . . . ومطلعها :
أهاج عليك الشوق أطلال دمنة * بناصفة الجوّين أو جانب الهجل ؟
2 - كلام متصل بالوقفة الطللية ، يدور حول الحبيبة . . . ولا ندري هل هي « الخنساء » كما يسميها ، أم هي صفة لها ، يذكر فيه الصدود والبخل في الوصال - يستمر ذلك حتى نهاية البيت الخامس عشر . . .
3 - مفاخرة مطولة بنفسه وبأهله وعشيرته بني مجاشع ، ووقفة إشادة بأبيه وجده الذي حمل كل مآثر أجداده وفضائلهم ، عارضا لمجمل الإنجازات والمكاسب التي حققها أجداده في حروب الآخرين لأجل السيادة والإغاثة والإجارة . وقد استغرق هذا النص ستة وعشرين بيتا ، أي أكثر من نصف القصيدة .
4 - هجاء جرير وقومه الذي استغرق سبعة أبيات ، لكنها تضاهي العشرات لشدة وجعها ، وقوة تأثيرها . ولعل هذه القصيدة ، أفضل مثال لنهج الشاعر وأسلوبه الشعري العام الذي يخضع لطريقة الشعراء بعامة في الإحاطة والتنويع ، ولدفق المشاعر والأفكار في قريحة الشاعر ، فينطلق من تعبئة ذاتية مضطرمة ، على قدر من التوافق والمجاراة لطرائق الشعراء المعاصرين له .
احتلّ البعيث موقعا خاصا في زمانه ، فأجاد في كلّ من القصيد والأرجاز والخطب ، فذكر مع الكميت والطرمّاح بن حكيم ؛ وكان « أخطب بني تميم ، إذا أخذ القناة » وذكر الجاحظ ، نقلا عن يونس بن حبيب : « لئن كان مغلّبا في الشعر ، لقد كان غلّب في