ويندرج في هذا الاتجاه الخاص بطرح عديد الموضوعات ذلك النوع من المقارنات الطريفة والدالة على الحس الاقتصادي والتجاري الذي كان يتوافر عليه ، والذي يعبّر عن شمولية شخصيته : قضية تتّبعه للأسعار وتتّبعه للمكاييل والمعايير والموازين ، وقيمة العملات حتى لكأنك مصحوب بجريدة تطلعك على أسعار ما يجري في السوق .
وهكذا لم يكن الرحالة رجل فقه وأحكام وأوراق فقط ، ولكنه كان أيضا رجلا مطلعا على كل شيء !
لقد بدا ابن بطوطة مهتما بقضايا الصرف والمقارنة بين العملة هنا وهناك ، ومثاله عندما كان بمصر ومنطقة الخليج وتركيا والهند التي بعث منها أربعين دينارا ذهبيا هنديا إلى طفله بدمشق ، وكذلك المقارنة بين الرطل في هذه الجهة والمنّ في الجهات الأخرى ، والأوقية وما تعرّف عليه هناك في الهند ممّا سمّاه التنركة . . . ولم يفته أيضا ، وهو يتحدّث عن دور ضرب السّكّة في الصين أن يذكر دور السكة في بلاده المغرب ، وأن أسعار الخيول في بلاد الأوزبك غيرها في الجهات الأخرى . . . وأن أسعار الفراء في الأرض الباردة ترتفع إلى مبلغ هائل لا يتصوّره شخص نشأ في أرض دافئة لا تحتاج للفراء !
وقد رأيناه أحيانا يربط بين المعلومات المتعلّقة بآسيا والمعلومات المتصلة بإفريقيا السوداء . . . ومن هنا اعتبرت الرحلة في العصر الوسيط دليلا تجاريا للذين تهمّهم الدراسات الاقتصادية على ذلك العهد على ما أشرنا إليه . . .
وإلى جانب الموضوعات الكثيرة التي تحتفل بها الرحلة احتوت على جوانب من سيرته الذاتية مما يجعل منها مصدرا لحياته وفكره ومعارفه . ففي الإسكندرية مثلا ذكر أنه أخذ عن الشيخ ياقوت تلميذ أبي العباس المرسي ، فهو شاذلي بالواسطة ، وقد حصل في دمشق على نحو من ثلاث عشرة إجازة ، وممن أجازوه حافظ الحفّاظ أبو المحاسن المزّي ، وأم عبد الله زينب بنت الكحال المقدسية .
ولقد كان حريصا على أن يذكر أسماء الذين أجازوه في أرض الشام ، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على « انتساب » الرجل إلى بيت علم وفقه وحديث . . .
ويخبرنا أيضا أنه تولّى القضاء في دهلي ( الهند ) عامين ، وفي ذيبة مهل ( جزر مالديف ) عاما ونصف العام .
ولا يفوته كذلك أن يحدثنا في جرأة وصراحة عن زيجاته ، بل إنه لم يجد أي حرج في الحديث عن الخصومة التي شبّت بينه وبين صهره لزوجته الصفاقسية . . . ولم يجد ما يمنعه لكي يقترح توقيف ركب الحاج في الجبل الأخضر ( ليبيا ) حتى يحتفل بعرسه على سيدة فاسية كانت ترافق والدها إلى مكة . . .
ولم تكن هذه « الفاسية » هي الأخيرة في حلقات السلسلة الطويلة لزوجاته التي قد تكون بدأت من طنجة ، فقد تزوّج بدمشق عند زيارته الأولى حفيدة لسيّد من مكناس كان مقيما هناك ، وقد عرفنا من أسماء زوجاته الأسيويات « مباركة » و « الحور نسب » ، و « عاشوراء » التي تزوّجها في البنغال . أما اللاتي لم نعرف أسماءهنّ فعددهنّ كثير وكثير !
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 578
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٧٨