تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
[ كراتشكوفسكي ، تاريخ الأدب الجغرافي ، قسم 1 / 428 - 435 ] . هذه هي التهمة الأولى التي وجهت لابن بطوطة في رحلته . أما الثانية فهي أنه كان محدود الثقافة ، عاجزا عن الكتابة والتدوين . وقد استنتجوا هذا المأخذ من أنه لم يدوّن رحلته بنفسه . وهي تهمة عارية عن الصحة ، وخطأ بيّن ، تكشف لنا عنه أولا الصفة التي رشحت ابن جزي للقيام بهذا العمل والتي أشار إليها المقري في « النفح » « بأنه ، أي ابن جزي ، إن كتب أربى على ابن مقلة بخطه . . . » : وثانيا ما أضفاه ابن جزي نفسه في المقدمة على ابن بطوطة من كل الأوصاف التي تؤكد على عمق معارف الرحالة : فهو « الشيخ ، وهو الفقيه ، وهو الثقة ، وهو الصدوق ، وهو الذي باحث فرق الأمم ، وسير العرب والعجم ، ولم أتعرض - يقول ابن جزي - للبحث عن حقيقة ما قال لأنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك ! . . » . وهذا إضافة إلى أنه كان عارفا ببعض اللغات مثل الفارسية والتركية . . . وعلى الرغم مما شاب الرحلة من غياب الجانب النقدي والتحليلي لبعض الأخبار إلا ما ندر ، أو اختصار في الوصف والحديث على بعض الأقطار مثل بلاد المغرب العربي سواء عند خروجه منها أو عودته إليها خاصة أن ما بينهما حوالي خمس وعشرين سنة ، فإن ابن بطوطة قدم لنا في رحلته عالما ثريّا بالمعلومات ، ومشوّقا بالغرائب ، وممتعا بالأحداث ، وهو ما يجعل منها وثيقة هامة وصورة متوهجة عن شخصية صاحبها في ذكائه الجيد ، وجرأته وصراحته وحبه للاطلاع والرحلات والمغامرات ، ولا مبالاته بالأهوال التي تعرض للكثير منها ، فكان بكل ذلك وبرحلته الباقية أبد الدهر من أشهر الرحالين العرب بل العالميين في كل العصور . ولا بد أن نذكر هنا أن الحديث عن ماركو بولو البندقي اقترن بالحديث عن ابن بطوطة الطنجي لدى كل الذين اهتموا بالرحالة ، وخاصة عند علماء الغرب . وقد كان من حقّهم أن يفعلوا ذلك ، فإن الأول هو الذي قصد - قبل نحو من ستين سنة من تحرّك ابن بطوطة - الشرق الأقصى ، وسجّلت مذكراته التي كانت ، في ما بعد ، محلّ تعليق واسع . . . لكن الملاحظ أن رحلة ابن بطوطة اتسع فضاؤها أكثر مما كان الأمر بالنسبة إلى رحلة ماركو بولو ، علاوة على الحصيلة العلمية التي كانت تختلف من الواحد إلى الآخر . . . وهكذا فإن ابن بطوطة قد حقق رحلته وحيدا ؛ وإذا كان محرر رحلته ، ابن جزي ، يقتصر على إضافات محدودة وموثّقة يبدؤها بكلمة « قال ابن جزي » ويختمها بكلمة « انتهى » ، فإن روستتشلو
Rustichello
محرر رحلة ماركو بولو الصادرة سنة 1519 م كان يضيف من خياله وخاصة عند الحديث عن الصين . . . وبينما ظهرت طبعات من رحلة ماركو بولو ، منذ صدور الترجمة الانقليزية ( 1818 م ) لويليام مارسدن ( .
Marsden , M . W
) بلغ عددها أزيد من مائة ليس بينها اثنتان متفقتان لما زيد على كل منها من إضافات ، فإن رحلة ابن بطوطة بقيت على ما نسخت عليه بفاس عام 757 ه / 1356 م .