تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
ومما كشفت عنه الرحلة ذلك الحس الوطني لدى ابن بطوطة ، وحتى نعرف درجة هذا الحس نلاحظ أنه كان يتصيّد ذكر المغرب في كل مجال يستدعي ذكره . فهو يفيدنا مثلا أن المغاربة شاركوا ضد هجوم القرامطة على الكعبة . وهي الحقيقة التي نجد لها صدى في المصادر القديمة للتاريخ الدولي للمغرب [ التازي ، التاريخ الدبلوماسي للمغرب ، 4 / 144 - 145 ] . ولم ينس كذلك أن يقارن بين نظام الدارات في الصين ومثيلاتها في سجلماسة ، وبين قطع الأسطول والأجفان وعددها بالمغرب والصين . . . سواء منها الحربية ، أو التجارية بالمصطلح الحديث . وقد ذكر ميناء سبتة المغربية وهو بمدينة صنوب على ضفاف البحر الأسود في طريقه إلى أوزبكستان . ولقد علقت بمخيّلته صور الأودية الكبرى بالمغرب ، فهو يقارن وادي سلا بنهر مدينة استنبول . . . وعند حضور الأسماك التي كان يتذوّقها في منطقة هذا الخليج كان يقارن بعضها بما يعرفه بالمغرب ، وعند رؤيته للأواني الخزفية التي تقدم إليه ، لا بدّ أن يعتزّ بالخزف الذي تصنعه الأيادي المغربية . ويلاحظ أن الرجل كان في مستوى ما تنعم به بلاده من ذكر جميل . ولا بدّ أن نحضر معه ، ذات يوم ، خروجه إلى الأسواق ليقتني الملابس المناسبة لرحلة صيد دعاه إليها السلطان . إنه كان يريد « أن يظهر القوة والهمة » على حدّ تعبيره . . . لقد كان حريصا على الاعتزاز بهويته المغربية في البلاط الهندي . ومما يلفت الانتباه أنه تناول تلك الموضوعات والمشاهدات بواقعية آنا ، وعجائبية آنا آخر إذا كانت كذلك في ذاتها أو في مخياله ، إذ كان يمليها من ذاكرته لأن مذكراته قد ضاعت منه في ما قيل في البحر الهندي ، فيعوض الواقعي بالخيالي دون أن يذهب في ظنه أنه يجانب الحقيقة والواقع ، أو أنها من إضافات مدون الرحلة ابن جزّي . ولا شكّ أن لابن جزي بهذه الإضافة أو التدخل أثرا في أسلوب الرحلة ، كما أن له أثرا في اعتماد السجع أحيانا ، وتغيير لغة الرحالة بلغة يظهر فيها الجانب التفسيري لبعض الألفاظ والمصطلحات ، وبتضمين معلومات شخصية أو قطع شعرية مما قد يعدّ حشوا على الرحلة ، فيسبغ عليها بعض التفكك يفقدها الوحدة والتناسب والتناسق . على أن أسلوب ابن بطوطة ، وهو أسلوب شفوي ، يظهر خاصة في تلك اللغة السردية ووصف المشاهد بلا تكلف وتصنّع مما أضفى عليها الواقعية ، فكان غرضها الأول الإفادة والإبلاغ . ولما كانت الرحلة قد اشتملت على ما يعدّ من الخرافات والأساطير والعجائب التي يتردد العقل في قبولها ، فقد كذّبه معاصروه منهم ابن جزي نفسه ، كما شكك بعض المستشرقين ابن جزي نفسه ، كما شكك بعض المستشرقين في بعض موادها ؛ لكن وجد منهم من مال إلى تصديقها بعد أن اطلع رحّالة آخرون على تلك البقاع النائية وشاهدوا فيها ما رواه ابن بطوطة . ومن أمثلة ذلك ما شهد بصحته المستشرق الروسي كراتشوفسكي بقوله : « وأخيرا في القرن العشرين نلحظ بداية عهد من الاعتراف بقيمته من جديد . أخذ يكتسب الأنصار يوما بعد يوم ، خاصة أن رواياته عن مواقع مجاورة كجزر مالديف مثلا قد أكّد الرحالة المتأخرون صحتها برمتها »