تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
أدركه بتامسنا التي كانت عاصمتها آنذاك « أنفا » ، الدار البيضاء حاليا ، وليس بفاس ولا بطنجة كما يقول بعض الناس . على أن هناك من المؤرخين من رأى أنه توفي سنة 779 ه / 1377 - 1378 م [ هدية العارفين ، 6 / 169 ؛ الزركلي ، الأعلام ، 6 / 235 ] ، أو سنة 776 ه / 1374 - 1375 م [ حسني محمود حسين ، أدب الرحلة عند العرب ، 36 ] . وتتمثل أهمية رحلة ابن بطوطة التي امتدت على حوالي ثماني وعشرين سنة ، في أنها احتوت على موضوعات متنوعة من جغرافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية ودينية وثقافية وعلمية ، وعرضت عديد العادات والتقاليد مما أهّلها لتكون مصدرا إناسيا / أنثروبولوجيا ، ومعرضا حيا لحياة الشعوب التي تناولتها بالوصف ، نحن اليوم - من وجهة نظر تاريخية - في مسيس الحاجة إليها لمعرفة نفسياتها ، وطرق تفكيرها وسلوكاتها ، وإسهاماتها الحضارية . من هذه الصور مثلا وصف العادات والتقاليد والملابس والأطعمة والأشربة والطقوس الدينية ، والحياة في البلاطات والمنازل والأسواق والمعابد وأنواع البريد ، والأسفار برا وبحرا ، والنقود ، والفنون مثل فن الرسم عند الصينيين ، وغير ذلك مما حفلت به الرحلة من الموضوعات . وحتى نذكر أمثلة مدققة نشير إلى معالجته ، وهو في الهند وسيلان ، لقضية التعايش بين الهندوس والمسلمين ، تلك القضية التي أدركها جيدا واستوعبها ، ونحن بحاجة اليوم إلى قراءة جديدة للرحلة حول هذا الموضوع . ولم يفت ابن بطوطة كذلك أن يسجل معلومات عن وسائل الملاحة ، فقد كان يتعرف على جنسيات السفن التي كان يمتطيها للقيام برحلته ، بل لم يفته أن يشيد بمن يستحق الإشادة إنصافا وعدلا ، ويندّد بمن كان سلوكه لا يرتضى ، لا فرق عنده بين مسلم وغيره ، على نحو ما كان يفعله الرحالة ابن جبير ، والرحالة أبو حامد الغرناطي الذي نعرف عن تفسيره العجيب لحديث « الدنيا سجن المؤمن » . . . ولقد أخذنا فكرة عن الحركة البحرية والأساطيل التجارية التي كانت لها الهيمنة على ذلك العهد ، فقد كان ينتقل مع السفن الجنوية والصينية واليمنية والعمانية والكطلانية . . . والحديث عن المراكب والسفن يسلمنا إلى الحديث عن الرياح الطيّبة وتحكّمها في مواعيد السفر . وهذا الموضوع لعلاقته بالارتحال أجبر ابن بطوطة على أن يكون من العارفين بالرياح التي تعصف بالصاري والقريّة من غيرها . . وقد كوّن لديه الوضع الاجتماعي للمرأة ومركزها عند الأمم التي زارها ، أفكارا لا تخلو من إطراف وإتحاف ، فلقد تحدث على عفّة المرأة وشفقتها وهو في خراسان ، كما تحدّث عمّا تبلغه المرأة من مكانة سامية في بلاد الترك والتتر حتى أن القرارات لا تصبح نافذة إلا إذا صدرت عن أمر الخواتين إلى جانب السلاطين ! وحتى في بلاد السودان والصحراء عندما تتمتع السيدة بحريتها في التعامل الشريف ، وعندما تتميز باستظهار القرآن في هنور جنوب القارة الهندية .