محمد الشهير بابن البصيص ، نجم الدين المجوّد كاتب الخط المنسوب ، ولد بحماة سنة 651 ه واخترع المنسوب ، فأتقنه وكتب الأقلام بها ، ثم اخترع قلما سمّاه « المعجز » ، وانتفع به الدمشقيون وكتب هو بخطّه كثيرا ورزق الخطوة . وكان مع ذلك يعمل بالفأس في بستانه ويضرب اللبن ويبني بيده . وكان ينظم نظما سافلا عريّا عن الأعراب على طريقة الصوفية ، وكان مأمونا عفيفا ، ومن شعره :
تشفّع بالنبيّ فكلّ عبد * يجار إذا تشفّع بالنبيّ
ولا تجزع إذا ضاقت أمور * فكم للّه من لطف خفيّ
توفّي ابن البصيص في ذي القعدة سنة 716 ه .
هذه الترجمة القصيرة المكتنزة بالمعلومات المفيدة التي أوردها ابن حجر ، أنارت جوانب من حياة الابن المترجم له
فيمكن القول دون تردد أنه نشأ برعاية أب خطاط مبدع بلغ من إبداعه أن مدّ جناحه فانتفع الخطاطون الدمشقيون من علمه وفنه ، بل جاوز ذلك إلى ابتكار قلم سماه « المعجز » وهذا وضعه في مصاف عباقرة الخطاطين الذين وفّقوا إلى ابتكار أنواع جديدة من الخط رفدوا بها مسيرة الخط العربي وتطوره عبر العصور . وكما كان الأب عفيفا متديّنا متمسكا بتعاليم دينه ، سلك الابن مسلكه ، ونلمس ذلك واضحا في شرحه لرائية ابن البواب حيث ختم الشرح بقوله : « اللهم ارزقنا التوفيق لما تحب وترضى ، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ، واسترنا بين يديك يا أكرم الأكرمين ، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، لا تفضحنا بين يديك ، وأجرنا برحمتك يا أرحم الراحمين ، واهدنا إلى أحمد الطرائق فإنه لا يهدي إلّا أنت يا كريم » .
فمثل هذا الكلام ينمّ عن إيمان عميق ، ونقاء سريرة وتمسك بمبادئ الإسلام الحنيف . نشأته في ظل أب عملاق من عمالقة الخط العربي ، أورثه حبّ الخط العربي والتعمق في فهم قواعده وأصوله وفنونه وأدواته ، الأمر الذي أتاح له تقديم هذا الشرح النفيس لرائية ابن البواب .
إن كل المصادر التي ذكرت ابن البصيص كان المقصود فيها الأب ، كما جاء في « لمحة المختطف في صناعة الخط الصلف » لمؤلفها حسين بن ياسين بن محمد الكاتب ( ت بعد 780 ه ) ، و « الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة » لابن حجر ، و « جامع محاسن كتابة الكتاب » للطيبي ، و « وضاحة الأصول » للصيداوي ، وقد وهمت محققة « المختطف » السيدة هيا محمد الدوسري ، فجاءت بسيرة أحمد بن بصيص اليمني النحوي اللغوي العروضي ( ت 768 ه ) بزعم أنه المقصود .
وواضح أن لا علاقة لهذا العالم بهذا الموضوع الذي تعرض لطريقة « خط الأشعار » .
والذي تعرض لهذا الخط محمد بن موسى ( الابن ) في شرحه هذا بشكل دقيق موضحا فيه حقيقة ما ذكره صاحب « لمحة المختطف » عن من هو ابن البصيص ، وما المقصود برأيه في قلم الأشعار .
يستنتج مما تقدم أن المترجم له خطاط وابن خطاط ، مبدع ، حموي الأصل صنّف هذا الشرح لرائية ابن البواب . وقد حفظت لنا مكتبة ولي الدين أفندي التي تضمها مكتبة بايزيد في الأستانة مخطوطته الفريدة في الدنيا