في أوراقه ، [ القسم الذي حققه المستشرقان الروسيان ، فكتور بيلايف وأنس خالدوف ، ص 425 ، موسكو 1998 ] قطع كلّ شك في أن شاعرنا أدرك النصف الثاني من القرن الثالث الهجري . فالأخيطل كان من شعراء المئة الثالثة قطعا ، وقد أخطأ ابن سعيد حين عدّه في شعراء المئة الرابعة [ عنوان المرقصات ص . 38 ] .
لم يصل إلينا من أخبار الأخيطل ما يصلح لحديث مستفيض عنه . كل ما وقفنا عليه أنه من أهل الأهواز وإليها نسب . وقد عاش مدة ما في البصرة حتى عدّه المبرد في الكامل من أهلها ، وأنه هاجى الحمدوي وهو شاعر بصري معروف . ولقد أقام في واسط مدة أوهمت ابن أبي عون في تشبيهاته فسمّاه الآخيطل الواسطي ، نسبة إلى واسط .
والواقع أن زوايا كثيرة ظلت غامضة في حياة الشاعر : فما حرفته ؟ وأين لقي أبا تمام ؟ وما تفاصيل حياته الاجتماعية ؟ هل تزوج وهل أعقب ؟ وأين مات ودفن ؟
لقد وقف محقق طبقات الشعراء متحيرا أمام عبارة وردت محرفة مصحفة في كتاب طبقات ابن المعتز ونصها : « وكان يبيع الفلوس بباب الكرخ » علّق المحقق عليها في الهامش أنها ربما حرفت عن الفئوس أو الكئوس . وكلمة الكرخ ذكر أن أصلها المخطوط « الكرج » الأمر الذي جعل العبارة كلها موضع نظر .
يقول هلال بن ناجي : إن كلمة « الكرخ » مصحّفة والصواب : الكرج - كما ورد في الأصل المخطوط - والكرج هذه مدينة ذات قصور واسعة بين أصبهان وهمذان ، أول من مصّرها القائد أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي واتخذها وطنا بعد أن ولّاه الرشيد إمرة الجبل وكان شاعرا جوادا فارسا ممدّحا ، وإليها قصد الشعراء ومدحوه ، وذكروها في أشعارهم ، توفي أبو دلف سنة 226 ه وكان قد غدا من قواعد المأمون . . . الكرج هذه كان يباع فيها « القليس » وهو العسل ، فشاعرنا كان يبيع القليس بباب الكرج وهو الوجه الصحيح لقراءة العبارة .
والسؤال الآخر هو : أين لقي الأخيطل أبا تمام ، فأثنى عليه كما ورد في طبقات الشعراء ؟ والجواب : إننا نرجح أنه لقيه في همذان في طريقه إلى العراق ونزل في ضيافة آل سلمة ففرح به صاحب الدار فرحا شديدا ، ثم فوجئ بنزول الثلوج وانقطاع الطرق لشهور ، فعرض صاحب الدار على أبي تمام أن يضع مكتبة تحت تصرفه ، ويبدو أنها كانت مكتبة نفيسة ضمت نوادر الكتب المخطوطة ، فانصرف أبو تمام إلى تصنيف عدد من الكتب من بينها حماستاه الكبرى والصغرى .
نرجّح أن هذه الإقامة الطويلة في همذان أتاحت لشاعرنا أن يصل إلى أبي تمام ويعرض عليه شعره ، لقرب المسافة بين الكرج وهمذان ، وهي لا تعدو عدة فراسخ ، ونعتقد أن ذلك كان في عام 222 ه ، وقد يكون لقيه في سرّ من رأى عام 223 ه حين قام الخليفة المعتصم بتكريم قائده الكبير « الأفشين » احتفاء بانتصاراته على بابك الخرّمي وفيها ألقى أبو تمام قصيدته التي أولها :
بذّ الجلاد البد فهو دفين * ما إن به إلّا الوحوش قطين