اهتمام بفنون البديع وبفن التشخيص خاصة ، فللّرجاء أذن ، وللنعم نغمة ، والفكر يمطر الفهم فيروي لبّ الفتى ، وللغيم مدامع ، والنوار يهبّ من النوم ، والسرو الملتحف بالحرير الأخضر تميل الريح بعضه على بعض فكأنه يبغي التعانق ثم يرده الخجل ، والعرب تصف المرأة الجميلة بدقة الخصر وامتلاء الساق ، فوشاح الجميلة لا يلصق بخصرها لهيفته ودقته ، وخلخالها غير قلق بساقها لامتلائه وخدله . وقد فرع الأخيطل على هذا ، أن الجميلة المتسللة ليلا تخاف نطق الوشاح وإن أمنت نطق الخلخال .
وزائرة والشوق يحفز قلبها * وما كنت ترجو أن تنال مزارها
تحاذر في الظلماء نطق وشاحها * وقد أمنت خلخالها وسوارها
[ المختار من شعر بشار ص 149 ]
ولاحظ الإمام عبد القاهر الجرجاني أن تشبيه الجواري قدودهن بالسرو تشبيه عامي مبتذل ، لكنهم جعلوا فيه الفرع أصلا فشبهوا السّرو بهن كقول الأخيطل :
حفّت بسرو كالقيان تلحّفت * خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح حين تميلها * تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل
قال الجرجاني : المقصود من البيت الأول ظاهر ، وفي البيت الثاني تشبيه من جنس الهيئة المجردة من هيئات الحركة ، وفيه تفصيل طريف فاتن ، فقد راعى الحركتين حركة التهيؤ للدنو والعناق ، وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق . وأدى ما يكون في الحركة الثانية من سرعة زائدة تأدية تحسب معها السمع بصرا تبيّنا للتشبيه كما هو تصورا ، لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال ، وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع أسرع أبدا من حركته إذا همّ بالدنوّ ، فإزعاج الخوف والوجل ، أبدا أقوى من إزعاج الرجاء والأمل ، فمع الأول تمهل الاختبار ، وسعة الحوار ، ومع الثاني حفز الاضطرار ، وسلطان الوجوب [ أسرار البلاغة 193 ] ، ووقف الإمام عبد القاهر الجرجاني عند بيتي الأخيطل في المصلوب فقال :
ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب :
كأنه عاشق قد مدّ صفحته * يوم الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته * مواصل لتمطّيه من الكسل
ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل ، ولو قال : كأنه متمط من نعاس واقتصر عليه ، كان قريب المتناول ، لأن الشبه إلى هذا القدر يقع في نفس الرائي المصلوب لكونه من حدّ الجملة ، فأمّا بهذا الشرط وعلى هذا التقييد الذي يفيد به استدامة تلك الهيئة فلا يحضر إلّا مع سفر من الخاطر وقوة من التأمل وذلك لحاجة أن ينظر إلى غير جهة فيقول : هو كالمتمطي ، ثم يقول : المتمطي يمدّ ظهره ويديه مدة ثم يعود إلى حالته ، فيزيد فيه أنه مواصل لذلك ، ثم إذا أراد ذلك طلب علّته وهي قيام اللوثة والكسل في القائم من