تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ربيعا . . . وفي هذه السن بدأت ملامح النجابة عليه وأخذ ينظم بواكير شعره . . . في الوقت الذي أخذ يتجه فيه إلى العمل السياسي ولا سيما أنه أعجب بالثورة العربية التي تزعمها الشريف حسين بن علي . . . وقد سرى حب دمشق في عروقه بمثل ما تفتحت عينه على آلام وطنه وجراحاته . فتغنى بمفاخرها طول حياته ، وهو القائل حين صرع الملك غازي : « إن الشام التي تنوء بألف جرح وجرح من الحراب ، فلا تئن ولا تشكو ، بل تزداد عنفا وكبرياء ، هذه المدينة الأبية على الخطوب ، المتنمرة لعوادي الزمن . . . » وقد أنشد فيها القصائد المفعمة بالوطنية ، منها قصيدته إثر رجوعه من غربته القسرية ومطلعها : [ د . 170 ] .
حلفت بالشام هذا القلب ما همدا * عندي بقايا من الجمر الذي اتّقدا
وفيها بكى ابنه عدنان الذي فقده سنة 1968 م فقال :
جلاني الظلم أشلاء ممزقة * واحتزّ أكرمهن : القلب والوالدا تصغي النجوم إلى نوحي فيسكرها * يبكي الهزار ويبقى مسكرا غردا
وتغنى فيها بعروبته قائلا :
عروبتي فوق فرق الشمس ساخرة * من لؤم ما زّور الواشي وما سردا
ويختمها بثلاثة أبيات أولها :
ضمّتني الشام بعد النأي حانية * كالأم تحضن بعد الفرقة الولدا
فالشاعر الذي هاله نبأ احتلال الفرنسيين لمدينة اللاذقية في 11 / 10 / 1918 م جعله ينخرط في حركة النضال الوطني ، وصار ينشد الشعر الوطني الذي يؤجج روح الكفاح والمقاومة تحت راية العهد الفيصلي ، فلاحقته سلطة الاحتلال الفرنسي ، فاحتمى بالبطريرك غريغوريوس حداد ثم اختبأ في بيت صديق له ، لينسل متخفيا هاربا على الأقدام إلى مدينة حماة . . . وقد استتر في أحد خاناتها ، لكن أمره سرعان ما انكشف فاعتقل وأوسعه الفرنسيون ضربا ، وصفدوه بالقيد ورحل إلى حمص فبيروت التي مكث في سجنها نحو عام كامل اقتيد بعده إلى سجن في قلعة جزيرة أرواد على الساحل السوري سنة 1920 م بعد أن حكم عليه بالسجن ثلاثين سنة ، وعمره لا يتجاوز 16 ربيعا . . . لكن آمر السجن أفرج عنه لصغر سنه ، بعد ما لقيه فيه من تعذيب . وعمقت هذه الرحلة القاسية حسه الوطني والقومي فازداد اندماجه في حركة النضال ، وكأنه غدا سياسيا متمردا ثائرا بنفسه وبشعره . فقد تأججت شاعريته التي رعاها صديق والده رشيد طليع متصرف اللاذقية ، وهو الذي اصطحبه مرتين ، مرة إلى لقاء الملك فيصل ، ومرة أخرى إلى لقاء المناضل الثائر صالح العلي الذي مكث لديه حقبة من الزمن . . . وكان الشهيد المناضل يوسف العظمة من قبل قد صحبه إلى لقاء المجاهد صالح العلي قبل سجن الشاعر ، كما سنثبته في الحديث عن نثره . ولعل رثاء الشاعر للبطل الشهيد يوسف العظمة في 25 / 7 / 1920 م يؤكد عمق الصلة بينهما ، بمثل ما يثبت وطنيته التي تفتحت مبكرا على نضال المحتل الفرنسي . ثم عاد إلى دمشق بعد رحلته تلك ، واستسلم لقدره إذ دخلتها القوات الفرنسية بقيادة