وعبّر شعره عن قضايا المقهورين لتحريرهم من الظلم والجهل والتخلف . . . لكن نكبة حزيران 1967 م هدت كيانه وزلزلت الأرض تحت أقدامه ، فانبرى يتحدث عنها في قصيدته « من وحي الهزيمة » التي بلغت مئة وثلاثة وستين بيتا تعرض فيها للزعامات العربية والقيادات العسكرية ، وفي مطلعها يقول :
[ د . 192 ]
رمل سيناء قبرنا المحفور * وعلى القبر منكر ونكير
كبرياء الصحراء مرّغها الذل * فغاب الضحى وغار الزئير
ومنها :
جبن القادة الكبار وفرّوا * وبكى للفرار جيش جسور
تركوه فوضى إلى الدور فيحاء * لقد ضمت النساء الخدور ! !
هزم الحاكمون لم يحزن الشعب * عليهم ، ولا انتحى الجمهور
ويبدو أن الأقدار قد ألقت بثقلها على كاهله ، فلم يكفه فقد ابنه عدنان في سنة 1968 م بل كانت تلك القصيدة - على الأرجح - وراء الاعتداء عليه . فقد قيل : إن سيارة عابرة صدمته في شارع المالكي بدمشق وهو يمارس رياضة المشي المفضلة لديه ، وقيل : « إن الصدم كان معتمدا ، فضلا عن تركه مغشيا عليه ، ثم خطفه . لم ينقذه من أيدي الخاطفين إلا إنذار شديد اللهجة من الرئيس المرحوم حافظ الأسد - وكان آنذاك وزيرا للدفاع - فأعيد إلى المشفى ، خفية ، فلقي العناية المطلوبة ، إذ اجتمع عليه أطباء من سورية ولبنان حتى استطاعوا إيقاظه من غيبوبته بعد أربعين يوما . . . »
ثم أخذ يتماثل للشفاء ، وأنى للكبير الدنف والعليل النفس الشفاء مما هو فيه . . . ؟ ليس له إلا الشعر يفرج فيه عما يعاني منه ، علما أنه اعتزل الناس في بيته إلى أن وافته المنية في دمشق صباح 18 / 8 / 1981 م ، الموافق 1400 ه .
وإذا كان بدوي الجبل قد نشر شعره في مجلة « ألف باء » وله من العمر أربعة عشر ربيعا فإنه يعني أنه قد ولد شاعرا فحلا ، تجاوز العرف المألوف . ولا شيء أدل على هذا من اعتراف النقاد والأدباء والشعراء له بالنبوغ والشاعرية الفذة . فشهد له الشاعر بشارة الخوري بقوله :
« إن شعر البدوي أرجح من عمره » وكتب الشيخ العلامة عبد القادر المغربي منوها به :
« إنه الشاعر الذي تمرد على ناموس التدرج » . . . وشهد له شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي ، وشاعر الشام جميل مردم بك ، وشاعر المهجر جورج صيدح وغيرهم بالشاعرية التي تسجد لها قوافي الشعر . . .
فلا غرو بعد هذا أن نجد مقدمات شتى رصعت ديوانه الأول « البواكير » الذي نشرته مطبعة العرفان بصيدا - لبنان 1925 م وضم قصائده المنشورة في جريدة « ألف باء » ، ومنها مقدمة لرئيس المجمع العلمي العربي بدمشق محمد كرد علي ، ومقدمة لعضو المجمع الأديب محمد سليم الجندي . . . وقد أهداه إلى روح الشهيد المناضل يوسف العظمة .
وهذا كله يعني أن شعر البدوي منذ بداياته جمع عناصر فنية وفكرية حازت رضى الشيوخ