تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
لدى الخليفة لما وجده فيه من حكمة وأخلاق عالية جعلت المنصور يجيز لطبيبه معالجة حظاياه وحرمه . وبعد سنتين طلب المنصور من جرجيس أن يحضر ابنه بختيشوع إلى بغداد ، فاعتذر جرجيس بسبب حاجة بيمارستان جنديسابور إلى ابنه ، وقدّم تلميذه عيسى بن شهلاثا مادحا إيّاه ؛ فاستحسنه الخليفة ؛ إلّا أنّ عيسى هذا لم يحفظ أخلاق أستاذه ، فكان تلميذا سيئا . وفي عام 152 ه / 769 م ألمّ المرض الشديد بجرجيس ، فطلب من المنصور أن يأذن له بالعودة إلى جنديسابور كي يدفن مع آبائه ، فأذن له ، ووصل بلده حيّا وتعافى ؛ وبذلك يكون جرجيس قد مكث أربع سنوات في بغداد عمل خلالها على تدبير صحة المنصور ومعالجته ، وترجمة بعض الكتب له من اليونانيّة إلى العربيّة . ثم أعاد المنصور طلبه لجرجيس إثر حاجته لطبيب خاص بعد نفيه لعيسى بن شهلاثا ، فاعتذر جرجيس عن العودة إلى بغداد لضعف بدنه ، وأرسل إبراهيم تلميذه عوضا عنه ؛ ورغم أن المصادر وكتب التراجم لم تنبئنا عن تاريخ ميلاد جرجيس ووفاته لكنّ الواضح أنّه توفّي في عمر الشيخوخة ، يدعم ذلك أنّ زوجته كانت كبيرة السنّ عندما قدم بغداد فلم تستطع مرافقته . وقد حدّدت غالبيّة المراجع أنّ وفاته كانت في جنديسابور بعد عام 152 ه / 769 م إلّا أنّنا وجدنا في ترجمة عيسى أبي قريش في كتاب عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة أنّ جرجيس كان طبيبا للخليفة المهدي ( حكم بين 158 ه - 774 م / 169 ه - 785 م ) ، وبذلك نرجّح أن وفاته كانت بعد عام 158 ه / 774 م . كان جرجيس طبيبا « ماهرا » في زمنه ، امتاز بخبرته في صناعة الطب ومعرفته بالمداواة وطرق العلاج ، أضف إلى ذلك درايته النظريّة بطبّ اليونان . كان أستاذا في بيمارستان جنديسابور ورئيسا لأطبّائه ؛ ومن الواضح أنّه كان طبيبا ذائع الصيت تجاوزت شهرته حدود منطقته حتى شهد له أطبّاء بغداد بمهارته وتميّزه ، وبأنّه الأفضل بين أطبّاء عصره ، ورشّحوه لمعالجة الخليفة المنصور . ويعتبر جرجيس أوّل من ابتدأ بنقل الكتب الطبيّة اليونانيّة إلى اللّغة العربيّة ، فكان عصره بداية وصول الطبّ اليوناني إلى العرب مع بداية حركة الترجمة والنقل . ونظرا إلى علاقته الوطيدة بالخليفة ، ومحبّة المنصور له وإعجابه به ، فقد يكون جرجيس هو باعث اهتمام المنصور بالعلوم والطبّ بشكل خاص ، وبالترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة ، ويعلّق لوكلير - المستشرق الفرنسي - في كتابه « تاريخ الطب العربي » على مجيء جرجيس إلى بغداد بأنّه كان حدثا « هاما » أولى فيه إلى آل بختيشوع العناية بصحة الخلفاء العبّاسيين على مدى أربعة قرون . « ولم تقف شهرة جرجيس على مهارته في الطبّ فقط وارتباطه بالمستشفى وما عنده من التلاميذ ، بل باعتباره باعث الحركة العلميّة في الشرق » . وضع جرجيس ثلاثة مؤلّفات ضمّنها خلاصة علمه ، اعتمد في القسم النظري منها على ما استقاه من دراسته للمصادر الطبيّة اليونانيّة وجوامع الإسكندرانيين لمؤلّفات جالينوس ( ت 201 م ) التي كانت تعتبر الأساس النظري لمدرسة الطبّ في جنديسابور ، بالإضافة إلى ملاحظاته الخاصة حول العلم بأسباب الأمراض وعلاماتها .