تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
تعتبر « أن معرفة الكتب التاريخية تجلب معها الحكمة السياسية والمهارة في الجدل مما يضمن النجاح في الدنيا ، وتجلب أيضا التواضع والتقوى اللذين يضمنان الفلاح في الآخرة » . والبحث التاريخي يتطلّب بطبيعة الحال معرفة عدة لغات ، فقد ذكر روزنثال بأن عبيد الله بن جبرئيل اقتبس من نصوص سريانية ويونانية . ومن الطبيعي أن يجيد اللغة السريانية - وهي على أي حال لغة عائلته الأصيلة - واللغة اليونانية ، مما مكنه من قراءة النصوص التاريخية السريانية والإغريقية . وقد حدث خلط عند روزنثال ، بينه وبين والده جبرئيل بن عبيد الله ، إذ يذكر في كتابه الهام « علم التأريخ عند المسلمين » أن « المؤرخ اندرونيكوس وهو من رجال القرن السادس ، وقد نقل من تاريخه جبريل من بختيشوع ( 396 ه / 1006 م ) الذي كان بدوره مصدرا لابن أبي أصيبعة ومن المعروف أنّ ابن أبي أصيبعة اعتمد على كتاب التاريخ « مناقب الأطباء » وهو للابن عبيد الله بن جبرئيل لا لوالده جبرئيل بن عبيد الله بن بختيشوع المتوفى سنة 1006 م ، ونقل منه حرفيا أكثر من 15 مرة ، كما أن والده جبرئيل بن عبيد الله لم يكتب في التاريخ ولم يترك أي كتاب تاريخي بعكس ابنه ، ولعل مردّ هذا الخلط لدى روزنثال أنه نقل من ( جراف
G . Graf
) في كتابه تاريخ الأدب العربي المسيحي - ج 2 - ص 111 . تمتع عبيد الله بن جبرئيل بعقل نقدي متفتح ، مما جعله يتصدى لمسألة تاريخية صرفة اختلف فيها المؤرخون القدامى وهي « زمان جالينوس ، وهل كان معاصرا للمسيح أو كان قبله أو بعده » [ عيون ، 111 ] ؛ وقد أدلى بدلوه بهذا الخلاف فقال : « إن أصحاب التواريخ اختلفوا اختلافا بينا فيما وصفوه ، وكل منهم أثبت جملا إذا فصلت خرج منها زيادات ونقصان » [ عيون ، 111 ] . اشتهرت مدينة ميافارقين بوجود البيمارستان الفارقي ، الذي بناه وأنفق عليه أموالا طائلة الأمير نصير الدولة أحمد بن مروان صاحب ديار بكر والمتوفى سنة 453 ه / 1061 م [ أحمد عيسى ، تاريخ البيمارستانات في الإسلام ص 189 ، 199 ] الذي مدحه الطبيب ابن بطلان ( ت 455 ه / 1063 م ) بأسلوبه الساخر ، فيقول : « فمنذ ملك ابن مروان هذه الديار ، كسدت الصناعة وبارت البضاعة ، وصحت الأجساد وانكشف الوباء عن هذه البلاد ، وانقطعت علة الخوانيق » وفي موضع آخر : « كان إقبال الأمير قد عصم الأبدان من السقام ، وحصن الأعضاء من الآلام ، أو كأنه من بين آل مروان قد أخذ للخلق من الدهر الأمان » . وقد وجد عبيد الله بن جبرئيل في مدينة ميافارقين الرعاية الكاملة والجو العلمي المناسب ، برعاية أميرها نصير الدولة المحب للعلم والعلماء ، فأهداه أحد مؤلفاته « طبائع الحيوان وخواصها ومنافع أعضائها » ، وتفرّغ للبحث والتأليف وطاب له المقام فيها ، وعرف عنه صداقته للطبيب ابن بطلان الذي أقام فترة في ميارفارقين ، وكتب فيها كتابه الشهير « دعوة الأطباء » ، وأهداه للأمير نصير الدولة . ويمكن القول بأن عبيد الله بن جبرئيل لم يكن طبيبا ناجحا فحسب ، بل كان باحثا جادّا في علوم شتّى ؛ فقد كان جيّد